رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



منذ أن افتتحت مصر "الأوكتاجون"، أحد أكبر مراكز القياده والسيطره العسكريه في الشرق الأوسط طبعا، عاد الحديث مجددًا عن مفهوم القوه. انشغل كثيرون بحجم المبنى، وتقنياته، وقدرته على إدارة العمليات العسكريه ولنا الفخر جميعا بهذا الحدث العظيم، لكن السؤال الأهم لم يكن عن مساحة المبنى، وإنما عن مساحة القوه الحقيقيه التي تستند إليها الدوله.
ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوه تقاس بما تمتلكه الدول من دبابات أو مقاتلات أو حاملات طائرات فقط، وإنما بما تمتلكه من اقتصاد قادر على تمويل هذه القوه، وصناعه قادره على إنتاجها، ومؤسسات تستطيع إدارتها، ومجتمع يثق في دولته ويشارك في بناء مستقبلها.
لقد تغيرت قواعد السياسه الدوليه. فلم يعد الجيش هو الذي يصنع الدوله القويه، بل الدوله القويه هي التي تصنع الجيش القوي. وبين العبارتين فرق هائل في الفلسفه والاستراتيجيه.
لقد استثمرت مصر خلال السنوات الأخيره استثمارات ضخمه في تحديث قواتها المسلحه، وتنويع مصادر التسليح، وبناء قواعد عسكريه جديده، وتطوير منظومات القياده والسيطره، وهو مسار مفهوم بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وما يحيط بها من أزمات في ليبيا والسودان والبحر الأحمر وقطاع غزه وشرق المتوسط. لكن في الوقت نفسه، واجه الاقتصاد المصري تحديات كبيره، من ارتفاع الدين العام، وضغوط النقد الأجنبي، والتضخم، واتساع فاتورة الواردات، وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجيه في النمو.
وهنا تبرز واحده من أهم معادلات الأمن القومي: كلما اتسعت الفجوه بين القوه العسكريه والقاعده الاقتصاديه التي تحملها، تقلص هامش الحركه السياسيه للدوله، مهما امتلكت من أدوات الردع.
فالقوه العسكريه ليست مجرد امتلاك للسلاح، وإنما القدره على استخدامه عند الضروره، وتحمل تبعات استخدامه. والطائره المقاتله لا تُدار بالوقود فقط، بل تحتاج إلى اقتصاد يوفر العمله الصعبه، وصناعه تنتج قطع الغيار، ومراكز بحث تطور التكنولوجيا، وخزانة دولة تستطيع تحمل تكاليف التشغيل والصيانه والاستمرار إذا طال أمد الأزمات.
لهذا لم يكن من قبيل المصادفه أن يقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل إن "الإمبراطوريات تصنعها التجاره ثم تحميها الجيوش." فالجيوش تحمي النفوذ، لكنها لا تصنعه من العدم.
لقد انعكست هذه الحقيقة على طريقة تعاطي مصر مع الأزمات الإقليميه خلال السنوات الأخيره. ففي حرب غزه، انصب الجهد المصري على الوساطه السياسيه، وفتح قنوات التفاوض، وإدارة المساعدات الإنسانيه، ومنع اتساع رقعة الصراع. وفي الأزمه اللبنانيه، وكذلك في السودان وليبيا، كان الموقف المصري يميل إلى احتواء الصراعات ومنع التصعيد المباشر. لا يعني ذلك غياب القدره العسكريه، فالقوات المسلحه المصريه تعد من أقوى جيوش المنطقه، وإنما يعكس إدراكًا بأن القرار باستخدام القوه لا تحكمه القدرات العسكريه وحدها، بل تحكمه أيضًا كلفة هذا القرار اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا.
إن الدول لا تخوض الحروب لأنها تستطيع، بل لأنها تستطيع تحمل نتائجها.
وهنا تتجلى العلاقه الوثيقه بين الاقتصاد والقرار السياسي. فكلما كان الاقتصاد أكثر قوه، ازدادت قدرة الدوله على المناوره، وارتفع سقف خياراتها، وأصبح قرارها أكثر استقلالًا. أما إذا كانت الدولة تواجه ضغوطًا اقتصاديه كبيره، فإن أي مواجهه واسعه قد تفرض أعباءً إضافيه على الموازنه، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، والاستقرار الداخلي، وهو ما يدخل تلقائيًا في حسابات صانع القرار.
وتبدو هذه المعادله أكثر وضوحًا في أزمة سد النهضه. فمنذ بداية الأزمه، أكدت مصر أن جميع الخيارات مطروحة، لكنها اختارت في الأساس مسار التفاوض، والتحرك الدبلوماسي، والوساطه، واللجوء إلى المؤسسات الدوليه. ولا يمكن تفسير هذا المسار بأنه نتيجة عامل واحد، فالأزمه تحكمها اعتبارات قانونيه وعسكريه وإقليميه ودوليه معقده. لكن من المؤكد أن متانة الاقتصاد تؤثر في قدرة أي دولة على تحمل تكلفة الخيارات المختلفة، بما فيها الخيارات الأكثر تصعيدًا.
وفي المقابل، فإن القياده الإثيوبيه قرأت المشهد من منظور مصالحها وحساباتها الخاصه، ورأت أن فرص التوصل إلى حل عبر التفاوض أو استمرار الأمر الواقع قد تكون أكبر من احتمالات التصعيد العسكري. وقد تكون هذه القراءه قد شجعتها على التشدد في بعض مراحل التفاوض، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالدعم الخارجي، والاعتبارات الداخليه، وطبيعة النظام الإقليمي.
إن التاريخ يقدم دروسًا واضحة في هذا المجال. فالولايات المتحده لم تصبح القوه الأولى في العالم لأنها امتلكت أقوى جيش، بل لأنها امتلكت أكبر اقتصاد وأكثره ابتكارًا. والصين لم تنافس واشنطن عبر سباق التسلح أولًا، وإنما عبر بناء قاعده صناعيه هائله جعلت قوتها العسكريه تتطور فوق أساس اقتصادي متين. وحتى الاتحاد السوفيتي، رغم امتلاكه ترسانه عسكريه ضخمه، انهار عندما عجز اقتصاده عن مواصلة حمل أعباء المنافسه الاستراتيجيه.
والدرس ذاته تعلمته دول كثيره: القوه العسكريه التي لا يسندها اقتصاد منتج تتحول مع الزمن إلى عبء، بينما الاقتصاد القوي يحول القوه العسكريه إلى أداه فعاله للردع وحماية المصالح الوطنيه.
ولهذا، فإن مفهوم الأمن القومي لم يعد يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ من المدرسه، والجامعه، والمصنع، والمزرعه، ومركز الأبحاث. فالطفل الذي يتلقى تعليمًا جيدًا هو مشروع عالم أو مهندس أو قائد عسكري بعد عشرين عامًا. والمصنع الذي ينتج محليًا يقلل الاعتماد على الخارج. والجامعه التي تطور المعرفه تضيف إلى الأمن القومي بقدر ما تضيفه أي منظومة تسليح حديثه.
إن أكبر تهديد يواجه الدول ليس نقص السلاح، بل اختلال التوازن بين عناصر القوه المختلفه. فلا يكفي أن تمتلك دولة جيشًا قويًا إذا كان اقتصادها هشًا، ولا يكفي أن تحقق معدلات نمو إذا كانت مؤسساتها ضعيفه أو تعليمها متراجعًا. فالقوه الحديثه منظومه متكامله، يساند فيها الاقتصاد الجيش، ويحمي الجيش الاقتصاد، وتربط بينهما مؤسسات كفؤه، وتعليم متطور، وبحث علمي، وثقه متبادله بين الدوله والمجتمع.
وهنا تكمن الرساله الحقيقيه التي ينبغي أن نستخلصها من افتتاح الأوكتاجون: فالمباني لا تصنع القوه، وإنما تصنعها الدول التي تنجح في تحويل مواردها البشريه والاقتصاديه والعلميه إلى مشروع وطني متكامل.
إن مستقبل مصر لن يُحسم فقط بما تمتلكه من طائرات أو فرقاطات أو مراكز قياده متطوره، بل بما تمتلكه من مصانع تنتج، وجامعات تبتكر، ومدارس تبني الإنسان، واقتصاد يحرر القرار السياسي من ضغوط الحاجه. فعندما يصبح الاقتصاد هو السند الحقيقي للقوه العسكريه، يصبح القرار الوطني أكثر استقلالًا، وتصبح الدوله أكثر قدره على حماية أمنها المائي، والدفاع عن مصالحها، والتأثير في محيطها الإقليمي من موقع القوه لا من موقع رد الفعل.
هذه هي معادلة القوه في القرن الحادي والعشرين؛ فالسلاح يحمي الدوله، أما الاقتصاد فيمنحها حرية القرار.
إن التاريخ لا يذكر الدول التي امتلكت أكبر الجيوش فحسب، بل يذكر الدول التي أحسنت بناء مصادر قوتها الشامله. فالإمبراطوريات لم تسقط لأنها هُزمت في معركة، وإنما لأنها عجزت عن تمويل قوتها أو فقدت قدرتها على الإنتاج والابتكار. وفي المقابل، فإن الدول التي استثمرت في الإنسان والعلم والاقتصاد استطاعت أن تحول قوتها العسكريه إلى أداة ردع، لا إلى عبء على مواردها. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام مصر ليس أن تمتلك جيشًا قويًا، فهي تمتلكه بالفعل، وإنما أن تمتلك اقتصادًا بالقوه نفسها، حتى يصبح القرار السياسي أكثر استقلالًا، وتستعيد الدولة كامل قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي، وصون أمنها المائي، والدفاع عن مصالحها الوطنيه بثقة واقتدار.