احتياجات السوق 45 مليون عبوة تتكلف من 200 لـ300 مليون دولار سنوياً
ألبان الأطفال... حلم التصنيع المحلى المؤجل
توجيهات رئاسية إنشاء مزارع حديثة للأبقار وزيادة الإنتاج المحلى من الخام ..
وطوابير الأمهات أمام الوحدات الصحية قصة عذاب
خبير ثروة حيوانية: تطوير منظومة األلبان شرط أساسى لتوطين الصناعة
خبير ثروة حيوانية: تطوير منظومة الألبان شرط أساسى لتوطين صناعة
90 % من العملة الأجنبية يمكن توفيرها وفتح آفاق للاستثمار
عملية جمع ونقل وتصنيع الألبان تفتقر للمعايير القياسية الحديثة ومتطلبات السلامة الغذائية
رحلة إنقاذ حياة، وطابورحياة، وحكاية طابور عذاب، وقصة مؤلمة تعيشها ملايين الأمهات للحصول على علبة لبن أطفال هى الغذاء الوحيد الذى يحتاج إليه فلذات أكبادهن وإلا فالموت جوعاً هو المصير الذى ينتظر الرضع بعد أن جفت ينابيع الحليب لدى الأمهات، فقراً أو قهراً أو ضعفاً عاماً يجعلهن عاجزات عن إرضاع أبنائهن ليصبح الحصول على علبة لبن صناعى هو الأمل.. هو إكسير الحياة الذى دونه الهلاك.
أم ملك بائعة الخضار بقرية منيل شيحة تحكى معاناتها مع الحصول على علبة لبن فتقول: بعد ولادتى فى مستشفى قصر العينى تعرضت لمضاعفات صحية، ودخلت الرعاية، وهناك صرفوا لبنتى لبن أطفال لأننى لم أكن قادرة على الرضاعة وبعد خروجى بدأت رحلة المعاناة، ذهبت إلى الوحدة الصحية فى قريتى فقالوا لى إن الصرف من وحدة المنوات، وعندما ذهبت هناك طلبوا إجراءات وفحصاً طبياً، وأوراقاً كثيرة حتى أتمكن من صرف اللبن.
وأضافت: كل شهر لازم أروح أقف فى طابور طويل، والكمية اللى باخدها ما بتكفيش بنتى، ولم أستطع الصرف بعد ذلك، وطفلتى كانت ضعيفة والدكتور كتب لها نوع لبن سعره غالٍ جداً، وأنا مقدرش اشتريه، ساعات أضطر أدور على حد يجيبه بسعر أقل، لأن مفيش بديل، والبنت لازم تشرب لبن.
أما ليلى فهى أم لطفل لم يكمل شهره السادس، فتؤكد أن معاناتها تتكرر مع كل موعد لصرف اللبن المدعم، قائلة إن الحصول على العبوات أصبح رحلة شاقة بين الطوابير والإجراءات، قبل أن تختتم حديثها بجملة تختصر معاناة آلاف الأمهات «لازم يكون فيه حل لبن الأطفال مش رفاهية، ده ضرورة عشان يعيش أطفالنا».
ومثل ليلى وأم ملك أمهات كثيرات يعشن نفس المعاناة، تختلف الأسماء والتفاصيل وتظل الأزمة واحدة، فألبان الأطفال تمثل شريان حياة لآلاف الأسر المصرية التى لا يستطيع أطفالها الاعتماد على الرضاعة الطبيعية لأسباب صحية أو غذائية، إلا أن الحصول على «علبة لبن»أصبح عبئاً متزايداً على كثير من الأسر فى ظل الارتفاع المستمر للأسعار، واعتماد السوق المحلية بصورة كبيرة على الاستيراد.
وفى الوقت الذى تتجمع فيه الأمهات أمام الوحدات الصحية للحصول على اللبن المدعم، تظل الكميات المتاحة أقل من الاحتياجات الفعلية، بينما تعجز الكثير من الأسر عن شراء الأنواع المتوافرة فى الصيدليات بسبب ارتفاع أسعارها.
ومؤخراً أعاد الرئيس عبدالفتاح السيسى فتح ملف صناعة ألبان الأطفال فى مصر، بعدما تساءل عن أسباب استمرار استيراد ما بين 40 و45 مليون عبوة سنوياً، رغم طرح فكرة إنشاء مصنع محلى لإنتاج هذه السلعة الاستراتيجية منذ سنوات.
وهنا ثارت العديد من التساؤلات حول أسباب تعثر توطين الصناعة، وما إذا كانت العقبات تتعلق بنقص المادة الخام، أو ارتفاع الاستثمارات المطلوبة، أو ضعف الإنتاج المحلى من الألبان، أو غياب الحوافز الكافية لجذب المستثمرين.
الاعتماد على الخارج
تعتمد مصر على استيراد احتياجاتها من ألبان الأطفال، ما يجعل السوق المحلى عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وتغيرات أسعار الصرف، وخلال السنوات الأخيرة شهدت الأسواق نقصاً فى بعض الأنواع وارتفاعات متتالية فى الأسعار أثرت بصورة مباشرة على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
ويرى متخصصون أن استمرار الاعتماد على الاستيراد فى سلعة أساسية مثل ألبان الأطفال يمثل تحدياً اقتصادياً وصحياً فى الوقت نفسه، خاصة فى ظل الأزمات العالمية التى قد تؤثر فى توافر المنتج أو تكلفة استيراده.
أعباء كارثية
الدكتور هانى نبيل، أخصائى طب الأطفال، يؤكد أن الوضع الاقتصادى للأسرة المصرية يتأثر بشكل واضح بارتفاع أسعار ألبان الأطفال، موضحاً أن هناك مشكلتين أساسيتين تواجهان الأسر، الأولى تتعلق بالتكلفة المالية المرتفعة، والثانية تتمثل فى نقص بعض الأنواع أحياناً.
ويقول إن اللبن الصناعى يمثل البديل الأساسى للبن الأم فى حالات عديدة، منها ضعف إدرار اللبن لدى الأم، أو توقفه تماماً، أو إصابة الأم بأمراض تمنعها من الرضاعة الطبيعية، كما يستخدم فى بعض الأحيان كمكمل غذائى إلى جانب الرضاعة الطبيعية عندما لا تكفى احتياجات الطفل الغذائية.
وأضاف أن الأطباء يحاولون مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر عند وصف أنواع الألبان، ففى حال كانت الأنواع مرتفعة السعر يتم ترشيح بدائل أقل تكلفة تؤدى الغرض نفسه، مشيراً إلى أن الدولة توفر ألبان الأطفال المدعمة من خلال الوحدات الصحية للحالات التى لا تستطيع فيها الأم إرضاع طفلها طبيعياً بشكل كامل.
وأوضح أن استمرار توافر ألبان الأطفال بأسعار مناسبة يمثل ضرورة صحية واجتماعية، لأن أى نقص أو ارتفاع كبير فى الأسعار ينعكس مباشرة على صحة الأطفال ونموهم.
ومن جانبها، تؤكد الدكتورة انتصار سعد، مدرس الكيمياء الحيوية والتغذية بكلية البنات جامعة عين شمس، أن إنشاء مصانع لإنتاج ألبان الرضع داخل مصر خطوة بالغة الأهمية على المستويين الاقتصادى والصحى.
وتوضح أن التصنيع المحلى سيوفر للدولة مبالغ كبيرة يتم إنفاقها سنوياً على الاستيراد، ما يسهم فى ترشيد استخدام العملة الأجنبية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.
وتشير إلى أن بعض الأطفال يولدون وهم يعانون مشكلات صحية تتطلب الاعتماد على أنواع خاصة من الألبان الصناعية، مثل الأطفال المصابين بنقص إنزيم اللاكتيز المسئول عن هضم سكر اللاكتوز الموجود فى اللبن الطبيعى، وهى الحالة المعروفة باسم «عدم تحمل اللاكتوز».
كما أن بعض الأمهات قد يعانين أمراضاً أو ظروفاً صحية تمنعهن من إرضاع أطفالهن طبيعياً، أو من سوء تغذية يؤدى إلى ضعف إدرار اللبن، وهو ما يجعل الاعتماد على الألبان الصناعية ضرورة لا غنى عنها فى كثير من الحالات.
وترى أن توطين هذه الصناعة يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن الغذائى، وضمان توافر منتجات آمنة ومطابقة للمواصفات للأطفال المصريين دون الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.
يرى الدكتور حمدى الحبشى، خبير الثروة الحيوانية، أن صناعة ألبان الأطفال تعد من أكثر الصناعات الغذائية تعقيداً، نظراً لاعتمادها على تكنولوجيا متقدمة ومعايير صارمة تضمن أعلى درجات النقاء والسلامة الغذائية، بما يناسب احتياجات الرضع، وهو ما يجعل تكلفة إنشائها وتشغيلها مرتفعة مقارنة بالعديد من الصناعات الغذائية الأخرى.
وأوضح أن مصر لا تزال تعانى فجوة واضحة بين حجم إنتاج الألبان المحلى والاحتياجات الاستهلاكية، الأمر الذى يدفعها إلى استيراد كميات كبيرة من الألبان ومنتجاتها لتلبية الطلب المتزايد فى السوق.
وأضاف أن جهود تطوير قطاع الألبان، خاصة فيما يتعلق بمراكز تجميع الألبان وعمليات التداول والتخزين، تسير بوتيرة أبطأ من المطلوب، مشيراً إلى أن استجابة بعض المنتجين وتجار الألبان لبرامج التطوير والتحديث ما زالت محدودة.
وأكد أن الأولوية الحقيقية يجب أن تنصب على تطوير منظومة جمع ونقل وتصنيع الألبان، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات لا يزال يدار بأساليب تقليدية تفتقر إلى المعايير القياسية الحديثة ومتطلبات السلامة الغذائية، رغم التطور الكبير الذى شهدته هذه الصناعة فى العديد من دول العالم.
وأشار إلى أن استمرار الاعتماد على استيراد ألبان الأطفال يمثل عبئاً اقتصادياً متزايداً على الدولة، فى ظل الحاجة إلى توفير كميات كبيرة من المنتج على مدار العام لتلبية احتياجات السوق المحلية، وهو ما يستدعى الإسراع فى تطوير قاعدة إنتاج محلية قادرة على تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الغذائى.
استثمار فى صحة الأطفال
أما الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب، الخبير الاقتصادى، فيصف توجيهات الرئيس بإنشاء مصنع محلى لإنتاج ألبان الأطفال بأنها خطوة إيجابية، مؤكداً أن أى استثمار يؤدى إلى توفير سلعة استراتيجية فى السوق المحلى يمثل إضافة مهمة للاقتصاد الوطنى.
ويقول إن أهمية المشروع لا تقتصر على توفير ما يتراوح بين 200 و300 مليون دولار سنوياً كانت تنفق على الاستيراد، بل تمتد إلى كونه استثماراً مباشراً فى صحة الأطفال واستقرار سوق الألبان.
وأضاف أن توفير المنتج محلياً يقلل من احتمالات حدوث أزمات نقص أو شح فى السوق، وهى أزمات تؤثر بشكل مباشر على الأمهات والأطفال، وتخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية كبيرة.
وأشار إلى أن بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء توضح أن فاتورة استيراد الألبان تتراوح بين 200 و300 مليون دولار سنوياً، وهو ما يعكس حجم الإنفاق الذى يمكن تقليصه فى حال نجاح مشروع التصنيع المحلى.
وأكد أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتى الكامل قد لا يكون ممكناً فى المدى القصير، إلا أن الإنتاج المحلى يمكن أن يغطى نسبة كبيرة من الاحتياجات، بما يسهم فى توفير ما يصل إلى 90% من العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد.
ويرى أن المشروع يتمتع بجدوى اقتصادية مرتفعة، لأنه لا يقتصر على إنتاج سلعة واحدة، بل يسهم فى خلق فرص عمل، وتشجيع الصناعات المغذية، وزيادة الطلب على الإنتاج الحيوانى المحلى، فضلاً عن تعزيز الرقابة على جودة المنتج مقارنة بالاعتماد على الواردات.
ما الذى يعوق التصنيع؟
يشير الدكتور صالح عزب، الخبير الاقتصادى، إلى أن مصر تمتلك بالفعل خبرات فى مجال إنتاج ألبان الأطفال،
وأضاف أن الدولة تتجه حالياً إلى إنشاء مشروع متكامل لإنتاج ألبان الأطفال ضمن خطط خفض الواردات وتعزيز التصنيع المحلى، وذلك بالشراكة مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
ويهدف المشروع إلى توطين الصناعة بالكامل بدءاً من تربية الأبقار وإنتاج اللبن الخام وصولاً إلى التصنيع والتعبئة النهائية، بما يضمن تقليل الاعتماد على الخارج.
وأوضح أن واردات مصر من الألبان ومنتجاتها ارتفعت خلال عام 2024 بنسبة 13.1% لتصل إلى نحو 807 ملايين دولار، كما ارتفعت واردات عبوات الألبان المركزة بنسبة 9.4% لتسجل نحو 225 مليون دولار، وهو ما يعكس حجم الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وأشار إلى أن بعض المصانع المحلية القائمة تعتمد على استيراد اللبن المجفف من الخارج ثم إعادة تعبئته داخل مصر، وهو ما يقلل من القيمة المضافة الحقيقية للصناعة.
ولذلك جاءت التوجيهات الرئاسية بضرورة إنشاء مزارع حديثة للأبقار وزيادة الإنتاج المحلى من اللبن الخام، باعتباره الأساس الحقيقى لتوطين الصناعة.
مشروع متكامل
وتشير التقديرات إلى أن احتياجات السوق المصرى من ألبان الأطفال تصل إلى ما بين 40 و45 مليون عبوة سنوياً، وهو ما يبرز أهمية إنشاء مجمع صناعى متكامل قادر على تلبية جانب كبير من هذه الاحتياجات.
ووفق التصورات المطروحة، المشروع سيشمل استيراد نحو 40 ألف رأس من الأبقار المحسنة من دول مثل هولندا وألمانيا والبرازيل، بهدف زيادة إنتاج الألبان محلياً، إلى جانب زراعة عشرات الآلاف من الأفدنة بمحاصيل الأعلاف اللازمة لتغذية هذه الثروة الحيوانية.
ويرى الخبراء أن نجاح هذا المشروع لن يقتصر على خفض فاتورة الاستيراد فقط، بل سيمثل نقطة انطلاق لتطوير قطاع الألبان بالكامل، ورفع كفاءة الإنتاج الحيوانى، وتحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد المصرى.
بين الحاجة والتحديات
رغم أهمية المشروع، يؤكد متخصصون أن نجاح صناعة ألبان الأطفال فى مصر يتطلب توفير بنية تحتية متكاملة تشمل المزارع الحديثة، ومراكز تجميع الألبان، وخطوط التصنيع المتطورة، والرقابة الصحية الصارمة، إلى جانب تشجيع الاستثمار المحلى والأجنبى فى هذا القطاع الحيوى.
وفى ظل استمرار معاناة الأسر من ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على بعض الأنواع، يبقى التساؤل مطروحاً: هل تنجح مصر أخيراً فى تحويل ملف ألبان الأطفال من عبء استيرادى مزمن إلى صناعة وطنية تحقق الأمن الغذائى وتخفف الأعباء عن ملايين الأسر؟
الإجابة ستتوقف على قدرة الدولة والقطاع الخاص على ترجمة التوجيهات الرئاسية إلى مشروعات إنتاجية متكاملة، تضمن توفير منتج آمن وعالى الجودة وبسعر مناسب للمواطن المصرى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض