في القرى لا يأتي الشيطان مرتديًا السواد، ولا يحمل نارًا أو سلاسل كما رسمته الحكايات القديمة. يأتي هادئًا، يهمس في الأذن: "لن يراك أحد... خذ ما ليس لك... الجميع يفعل ذلك." ومن هنا تبدأ الصفقة.
ليست صفقة تُوقَّع على ورق، بل تُكتب في القلب. يتنازل الإنسان عن جزء صغير من ضميره مقابل منفعة عابرة، ثم يعتاد التنازل، حتى يصبح الضمير نفسه غريبًا عنه.
عرفت الريف طفلًا، وكانت البيوت مفتوحة على بعضها، والأبواب لا تُغلق إلا عند النوم، والجار يعرف همَّ جاره قبل أن ينطق به. كانت الكلمة عهدًا، والمصافحة عقدًا، والناس يختلفون نهارًا ثم يجلسون معًا عند الغروب وكأن شيئًا لم يكن.
لكن السنوات كشفت أن القرى، مثل البشر، يمكن أن تمرض.
لم يبدأ المرض بجريمة كبيرة، بل بكذبة صغيرة، وشهادة زور، وميراث اقتُطع من أصحابه، ورشوة قيل عنها إنها "إكرامية"، ومال تبرعات لم يصل إلى مستحقيه، وخصومة أشعلها صاحب مصلحة، ثم ترك الجميع يحترقون بنارها.
كل من فعل ذلك ظن أنه ربح.
اشترى أرضًا، أو جمع مالًا، أو حصل على منصب، أو نال احترامًا زائفًا من الناس. لكنه لم ينتبه إلى أن الثمن كان أكبر بكثير مما أخذ.
فالقرية كلها بدأت تدفع الثمن.
أصبحت الابتسامات أقل صدقًا، والقلوب أكثر قسوة، وكثرت القضايا في المحاكم بعد أن كانت المجالس العرفية تنهي الخصومات. وصار الأخ يشك في أخيه، والجار يخشى جاره، وأصبح الناس يتحدثون عن الأخلاق أكثر مما يمارسونها.
حتى الأطفال تغيّروا.
فالطفل لا يتعلم من الخطب، بل مما يراه أمامه. فإذا رأى الكاذب ينجح، والظالم يزداد نفوذًا، وصاحب الحق يخرج مكسورًا، بدأ يسأل نفسه: هل الصدق ما زال طريقًا للنجاة؟
وهنا تكون الصفقة قد اكتملت.
ليست صفقة بين إنسان والشيطان، بل بين مجتمع كامل وبين القبح، حين يعتاد الظلم فلا يغضب، ويرى الفساد فلا يعترض، ويسمع الكذب فيبتسم، ويعتبر النفاق ذكاءً، والانتهازية مهارة، وأكل الحقوق شطارة.
كم من جمعية رفعت لافتة العمل الخيري بينما ضاعت أموال المحتاجين في جيوب المنتفعين. وكم من صاحب وجاهة تحدث عن الفضيلة وهو أول من هدمها. وكم من صاحب مال ظن أن الأموال تشتري الاحترام، فاكتشف متأخرًا أنها لا تشتري راحة الضمير.
الحقيقة لا تموت.
قد تتأخر سنوات، لكنها تظهر كما تظهر الشمس بعد ليلة طويلة. وعندما تنكشف الوجوه، لا ينفع الندم، لأن الزمن يسجل كل شيء، ولا يسقط من ذاكرته حق، ولا يضيع عنده ظلم.
إن أخطر ما يهدد القرى ليس الفقر، فالفقر عرفه الريف عبر تاريخه وظل متماسكًا. الخطر الحقيقي هو فقر الضمير، حين يصبح الظلم عادة، والكذب وسيلة، والفساد أسلوب حياة.
ومع ذلك، فما زلت أؤمن أن لكل قرية فرصة للنجاة، وأن إصلاحها لا يبدأ بقرار مسؤول، ولا بخطبة على منبر، ولا بشعار يُرفع في مناسبة، بل يبدأ حين يراجع كل إنسان نفسه، ويرفض أن يبرم صفقة جديدة مع الشيطان، مهما بدا ثمنها مغريًا.
فالقرى لا يحفظها الإسمنت، ولا الطرق، ولا المباني الحديثة، وإنما يحفظها العدل، والأمانة، والرحمة، والضمير الحي.
ومن يربح الدنيا كلها، ثم يخسر ضميره، لم يربح شيئًا... بل كان أول الخاسرين.،،!!
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض