رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف

حبرٌ بارد "قصة قصيرة"

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

 

 

                      حبرٌ بارد

تراكمت الأطباق في بئرٍ، يلمعُ فيها الخزفُ كعظامٍ منسية؛ طبقان فقط.
واحدٌ لي، وآخر لم أستخدمه منذ أشهر، لكنني أرفض إزاحته. وضعته في زاوية المائدة كأثر بقايا وليمةٍ لم يحضرها أحد.

​لطالما ظننتُ أن السعادة هي في تناسق الأشياء؛ في مفرش مائدةٍ يُكوى كل خميس، في رائحة غسيلٍ ينشرُ الدفء في الردهة، وفي صوت خطواتٍ ثقيلة تعود من العمل لتستقر في حضن البيت.

كنتُ أتدربُ على هذا ..
أشتري أقمشةً لا حاجة لي بها، وأحفظُ وصفاتِ طعامٍ لا يشاركني أحدٌ طعمها.
أرتدي فستاني الأنيق وأجلس في الصالة، أنتظر أن يدقَّ الباب، لأتأكد فقط أن العالم لا يزال يحتوي على - أبوابٍ يُطرق عليها - ​لكنّ الحياة، بدلاً من أن تمنحني ذلك البيت الذي كنتُ أخططُ لأركانه، منحتني حبراً لا يجف.

​حين أكتب، لا أفعل ذلك لأنني اخترتُ الكلمات، لكن الصمتَ صار ثقيلاً جداً، ولم أجد كتفاً يرتجفُ بضعفي، فصرتُ أحملُ جدران الغرفة على ظهري وأمشي.
أنظرُ إلى القصائد التي خرجت من حنجرتي، فأراها غريبةً عني؛
إنها ليست كلماتي،
إنها بقايا النحيب الذي لم أستطع إطلاقه في حضن أحد.

​أحببتُ العالم من مسافةٍ آمنة، من خلف زجاج نافذتي.
كنتُ أريد أن أكون جزءاً من ضجيجِ الناس، من حكايات الجيران، من تعبِ الأمهات.
لكنّ العالم في الخارج كان يمرُ بي كقطارٍ لا يتوقف، تاركاً إياي على المحطة، أجمعُ الأوراق المتساقطة من شجر الرصيف، وأكتب عليها اعترافاتٍ لا يقرؤها سوى الجدران التي حفظت خيبتي.

​الآن، لا أبحثُ عمن يمسح دموعي، لقد تعودتُ على ملوحتها
صرتُ أجدُ في الورقة البيضاء المليئة بالحبر ما كنتُ أبحث عنه في عيون الآخرين.
أحياناً، حين أكتبُ بجنون، أتوهمُ أن القلم هو يده، وأن السطور هي ملامح البيت الذي حلمتُ به.

لا أكتبُ لأخلد شيئاً،
أكتبُ فقط لكي لا أختنق ببيتي الذي صار أوسع من اللازم، وبقلبي الذي صار أضيق من أن يتسع لحلمٍ آخر.