فى وقت تبحث فيه الدولة عن حلول مبتكرة لترشيد الإنفاق وتعزيز الموارد المحلية، نغفل عن كنز وطنى حيّ يسير على أقدام أربع فى شوارعنا. فالكلب البلدى المصرى ليس عبئاً يتطلب التخلص منه، بل هو ثروة استراتيجية قادرة على إحداث ثورة فى منظومة الأمن والحراسة، وبديل وطنى كفء للكلاب المستوردة التى تكلف الموازنة ملايين الدولارات سنوياً.
أولاً: الكفاءة البيولوجية والعمق التاريخى للسلالات المصرية
تمتلك السلالة المصرية «شفرة جينية» تشكلت عبر آلاف السنين، تجعلها متأقلمة طبيعياً مع المناخ القاسى، ومقاومة للأمراض. وما يُطلق عليه اليوم «الكلب البلدى» هو نتاج هجين متميز ينحدر من سلالات تاريخية عريقة:
< الكلب الفرعونى (الهاوند): سلالة رياضية قديمة تطابق النقوش على جدران المعابد.
< كلب الصيد (السلوقى): من أقدم السلالات، ويمتاز بجسمه النحيف وسرعته الفائقة وقابليته العالية للتدريب.
< الكلب الأرمنتى (راعى الماشية): موطنه الصعيد، ويتميز بالذكاء الحاد فى الحراسة.
< الباسنجى وإيبيزا هاوند: سلالات مصرية قديمة، الأول ذكى وهادئ، والثانى نشيط ومحب للاستكشاف.
< الكلب البلدى الحالى: هجين قوى يجمع صفات الكلب الفرعونى والسلوقى والباسنجى والأرمنت والفرعونى، ما يجعله جندياً مثالياً للحراسة. وحراسة المعسكرات وغيرها.
ثانياً: المحاور الاستراتيجية للمشروع الوطني
1. الجدوى الاقتصادية وترشيد الإنفاق
فى ظل التحديات الاقتصادية، يعد استيراد كلاب الحراسة بالعملة الصعبة هدراً غير مبرر. التدريب المحلى للكلب البلدى لن يكلف سوى جزء ضئيل من كلفة الاستيراد، ما يوفر ملايين الدولارات لخزانة الدولة.
2. السيادة الأمنية والأمن القومى
الاعتماد على الخارج فى ملف حساس كـ«سلاح الكلاب المدربة» بالمنافذ والمنشآت الحيوية يحمل مخاطرة التبعية. الكلب المصرى هو البديل الآمن لبناء «سيادة بيولوجية مصرية» كاملة كأجهزة استشعار وحراسة متطورة.
3. البُعد الإنسانى والحضارى
بدلاً من مشاهد إيذاء هذه الكائنات أو حلول المكافحة التقليدية الفاشلة، يجب أن تتدخل الدولة لتعيد للحيوان قيمته، فيتحول من مشرد إلى رمز وطنى مدرب يحمى المنشآت ويحافظ على التوازن البيئى. ونرفض التعقيم لأننا بذلك نقضى على السلالات والنوع ما يؤدى إلى اختلال السلسلة الغذائية وظهور السلعوة والذئاب والثعالب والثعابين والعقارب وما خفى كان أعظم.
ثالثاً: التوازن البيئى والبدائل الإنسانية (لماذا نرفض الإبادة؟)
خلق الله هذه المخلوقات لحكمة فى التوازن البيئي، وفى هذا بيان لقوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) أى إنا خلقنا كل شىء بمقدار قدرناه وقضيناه. والدعوات للتعقيم القسرى أو القتل الرحيم لا تحل المشكلة بل تخلق اضطرابات بيئية، إذ إن تفريغ الشوارع يترك فجوة بيولوجية تملأها فوراً حيوانات مفترسة أو قوارض حاملة للأوبئة. لذلك، نتبنى استراتيجية «التطعيم والعلاج» الإنسانية:
< حملات تطعيم منتظمة: لمحاصرة الأمراض المتوطنة كداء الكلب.
< التدخل الطبى والسلوكى: التعامل مع الكلاب الخطرة بالعلاج والتقويم دون إبادة السلالة.
< تحسين إدارة النفايات: التخلص السليم من القمامة يقطع مصدر غذائها ويحد من تكاثرها العشوائى.
< برامج التبنى المجتمعى: فتح قنوات لتأهيل الكلاب الهادئة وتوفير رعاية بسيطة لها.
خلاصة القول:
الكلب المصرى ذكى، وفيٌّ، وله تاريخ فرعونى ممتد فى الحراسة والصيد، لا ينقصه الذكاء بل ينقصه القرار. إنها دعوة لصناع القرار والمؤسسات الأمنية والبحثية للنظر إلى هذا الملف برؤية استراتيجية تحول التحدى إلى فرصة، والأزمة إلى سلاح يحمى الوطن ويوفر التوازن البيئى والأمن القومى. اتقوا الله فى خلقه، فالتوازن الذى خلقه ليس عبثاً، كما قال تعالى: «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض