رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

"الوفاء ليس مجرد كلمة، بل هو العمل الذي يثبت أنك لم تنسَ من أين بدأت، ومن سار معك في طريقك." — كوفي عنان

في غمرة المراسم الرسمية التي تليق بختام رحلةٍ طويلة في أروقة العمل الدبلوماسي، قد يميل البعض لرؤية التكريمات كجزء من "بروتوكول" عابر، أو مجرد لفتة مجاملة لزوجة المسؤول الأول. لكن الحقيقة التي تجلت في حفل توديع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، كانت أعمق بكثير؛ لقد كانت لحظة تجلٍّ لمعدن الوفاء، وقصة إنسانية تربط سبعة عقود من النضال ببعضها البعض.
حين وقفت السيدة ليلى كمال الدين لتتلقى التكريم، ساد اعتقادٌ لدى معظم الحاضرين بأنها لفتة بروتوكولية من سفير الصومال تجاه زوجة الأمين العام للجامعة العربية. لكن خلف هذا المشهد العابر، كانت الحقيقة مختلفة تماماً؛ فالتكريم لم يكن لشخصِها كزوجة مسؤول، بل كان استدعاءً لروح والدها، السفير "شهيد الدبلوماسية" محمد كمال الدين صلاح. ذلك الرجل الذي لم يكتفِ بتمثيل مصر في الصومال، بل صهر نفسه في خدمة أهلها، فبنى المدارس، وأرسل قوافل العلم من الأزهر الشريف، ودفع ثمن مواقفه دماً طاهراً في شوارع مقديشو عام 1957. لم يكن مجرد موظف دبلوماسي، بل كان "مهندس العلاقات المصرية الصومالية"؛ حمل على عاتقه أمانة استقلال الصومال، ووضع اللغة العربية كركيزة للهوية الوطنية، حتى صار اسمه جزءاً لا يتجزأ من نسيج الدولة الصومالية وذاكرتها.
ما يثير الإعجاب حقاً هو ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين تاريخين: والدٌ ضحى بنفسه في سبيل الدبلوماسية المصرية، وابنةٌ سارت على الدرب في ثبات، لتصبح رفيقة دربٍ لأحد أعمدة الدبلوماسية المعاصرة، أحمد أبو الغيط. إن السيدة ليلى هانم تمثل النموذج الأرقى للمرأة التي خرجت من صلب بيتٍ دبلوماسي عريق، لتدرك بعمق معنى "ضريبة المسؤولية" التي يدفعها الدبلوماسي.
لفتتني نظرات التقدير والوفاء التي غلفت المشهد؛ فأبو الغيط، ذلك الدبلوماسي الذي عاصر الصراعات الدولية ودهاليز السياسة، لم يكن يرى في هذه السيدة مجرد زوجةٍ تشاركه الحياة، بل كان ينظر إليها بعين التقدير لامرأةٍ صمدت طويلاً في بيتٍ لا يعرف الاستقرار، وشاركت في "صناعة" رجل دولةٍ طبع مسيرته بالحنكة والحكمة. إنها تلك المثابرة التي عايشتها، والتضحيات الصامتة التي قدمتها، والتي هي جزء لا يتجزأ من نجاح أي دبلوماسي كبير.
لقد كانت مبادرة السفير الصومالي، علي عبدي أواري، بتكريمها في يوم تكريم أبو الغيط والسفير حسام زكي، بمثابة اعتراف بأن الوفاء للشعوب لا يموت، وأن الدور الذي لعبه والدها الشهيد لا يزال يُزهر في قلب مقديشو حتى بعد سبعة عقود. إن هذا التكريم لم يكن مجرد لفتة، بل هو رد اعتبار لتاريخٍ ناصعٍ لم تزده الأيام إلا بريقاً.
هذا المشهد يذكرنا بأن وراء كل دبلوماسي قوي، امرأة تحمل إرثاً من المبادئ، وتفهم معنى أن يكون الوطن هو البوصلة. شكراً للسيدة ليلى كمال الدين؛ لأنها ظلت شاهدة على زمن الوفاء، لتؤكد ان وراء كل رجل ناجح امرأة تتحمل المسؤولية والصعاب لتدفع بزوجها في خدمة الوطن، وشكراً لهذه اللفتة من الصومال التي أكدت لنا أن أعظم التكريمات ليست تلك التي تكتب في الوثائق، بل تلك التي تحفر في ذاكرة التاريخ.