رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



ولا أعلم على وجه اليقين إنسانيا  أول من أغمد سيوف الحرب ، وجلس إلى مائدة التفاوض للحصول على حقوقه...!!إنه لجديرٌ بصفة القوة والحكمة معا ؛ لأنه أدرك مكامن قوته وقدراته في استعادة حقوقه المشروعة ، وأدرك أن تلك المكامن واضحة لأعدائه لذلك لا يحتاج إلى استعراضها ، وإذا ذهبنا لتعريف فن التفاوض لوجدناه لا يتعدى كونه حوارا بين متصارعين ـ وليس بالضرورة أن يتفاقم الصراع لحد سفك الدماء ـ بهدف التوصل لحل مُرْضٍ لتسوية نزاع، أو إتمام صفقة. كل ذلك من خلال تبادل مقترحات توصل إلى اتفاق دونما تنازلٍ عما يراه كل طرف من مصالح أساسية.
لكن من المؤكد أن التفاوض مهارةٌ إنسانية قديمة قِدَم التواجد الإنساني نفسه على الأرض ؛ لنجد أن أقدم مفاوضاتٍ موثقة كانت عام 1259 ق.م وجرت بين : الفرعون المصري "رمسيس الثاني" ممثلاً للإمبراطورية المصرية وبين الملك "خاتوشيلي الثالث" ممثلاً لإمبراطورية الحيثيين لينتج عن هذه المفاوضات ما يُعرف تاريخياً بـ "معاهدة قادش"والتي وُثِّقت على ألواحٍ من الفضة،وتُعد أقدم معاهدة سلام دولية
ومن أشهر مراحل الصراع ما بين المسلمين و قريش هو التفاوض بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مشركي مكة حينما ذهب المسلمون إلى مكة يسوقون الهَدْي محرمين لا يريدون سوى أداء العمرة وزيارة البيت الحرام فلم يَرُق ذلك قريشا ومنعوهم وجرت المفاوضات والتي أفضت إلى صلح الحديبية ، وقد بَدا في بداية الأمر لبعض ِالصحابة رضي الله عنهم أنَّ الاتفاقية فيها إجحافٌ بالمسلمين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم - على غير عادته -لَم يُشاورهم فيها؛ وكان أشدُّهم تأثرًا بنتيجة المفاوضات عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه. فقد ذهَب إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟قال: بلى.فقال: أوَلَسنا بالمسلمين؟قال: بلى.قال: أوليسوا بالمشركين؟قال: بلى.قال عمر: فعَلام نُعطي الدنيةَ في ديننا.قال أبو بكر: يا عُمر، الزَم غرزَه (الزَم أمرَه)؛ فإني أشهد أنه رسولُ الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.ثم أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بنفس تساؤلاته ليرد عليه بنفس ردود أبي بكر لكنه عندما سأل عمرُ فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا؟قال: أنا عبد الله ورسولُه، لن أُخالِفَ أمره، ولن يضيعني.
فانصاع عمرُ والصحابة وأذعنوا، فحقَّق بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نجاحَين تفاوُضيَّين؛ مع الخَصم، ومع أصحابه.ولعل شوق  الصحابة الأجلاء لزيارة البيت ويقينهم بصدق رؤيا رسول الله التي بشرتهم بذلك والواردة في قوله تعالي "لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا"ولسهوهم عن أن رسول الله لن يضيعه الله هو ما جعلهم لا يدركون قيمة صلح الحديبية الذي وصفته الآية الكريمة السابقة بـ"الفتح القريب"
ومما قد يغيب عن أذهان الكثيرين أن الأمريْن مصدرهما واحد إذ قال الله تعالى " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " وقال أيضا "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " وبين فعلي الأمر السابقين أي قبل القتال وبعده وفي الجنوح للسلم نحن مثلما أرشدنا الله " وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ " ومما يغيب أيضا عن أذهان الكثيرين أن مصر بقيادة عبد الناصر قبلت مبادرة روجرز الداعية إلى إيقاف القتال بيننا وبين إسرائيل 90 يوما والدخول في مفاوضات معلومة الفشل مقدما نظرا لمحاولة إسرائيل اكتساب الشرعية في مواجهة اللاءات العربية الثلاثة« لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف »لكن عبد الناصر قد حصل على استراحة مكنتْه من تعزيز أنظمة دفاعه الصاروخية

{ لا تصالحْ على الدم.. حتى بدمْ!/ لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ..أكلُّ الرؤوس سواءٌ!!/ أقلب الغريب كقلب أخيك..!أعيناه عينا أخيك..!وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك!!/بيدٍ سيفها أثْكَلك!!/ سيقولون: جئناك كي تحقن الدم....جئناك كن يا أميرُ الحكمْ/ سيقولون: ها نحن أبناء عمْ/ قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلكْ/واغرس السيفَ في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدمْ!!/ إنني كنت لكْ/فارسًا .. وأخًا .. وأبًا .. ومَلِك!!! }

ومن المدهش أن هذا الشعب لم يعترض على قبول مبادرة روجرز لكن كان هناك رفضٌ شعبي وثقافي لمفاوضات كامب ديفيد ولما سينتج عنها وكان "أمل دنقل" الأعلى صوتاً والأشد إبداعاً برائعته" لا تصالح ":
فلقد رأى أن التعويض الشكلي لا يحقق عدالةً ، والقصاص لا يمكن أن يسوِّي ما بين حياة قاتل وحياة قتيل معتمداً على ميزة المقابلة التي تجعل مجرد التفكير في القصاص الشكلي هراء!! وهذه الحقوق حتى آخر العمر لا تسقط بالتقادم...
وكل ذلك عايشناه مما يجعل سؤالا يُلِحُّ على الخاطر...أكان لشخص القيادة السياسية دخلٌ في قبول هذا ورفض ذلك أم أن روائح مطبخ صنْع القرار وما صحبها من اعتراضات واستقالات أفضت إلى هذه المعارضة التي لم تزل ، ولا تمر سوى أعوامٍ خمس حتى يتحفنا محمود درويش بهذه الملحمة الشعرية"مديح الظل العالي" حيث يصور المفاوضات السياسية بعد الخروج من بيروت عام 1982 كعملية غير متكافئة تلغي عدالة القضية،وهذه عايشناها ورأيناها رأْي العين

{اختلطتْ شخوصُ المسرح الدمويّ : لا قاضٍ سوى القتلى... وكفُّ القاتل امتزجَتْ بأقوال الشهودِ .. وأدخل القتلى إلى ملكوت قاتلهم...وتمَّتْ رشوةُ القاضي فأعطى وجهه للقاتل الباكي على شيء يُحَيِّرُنا …سَرَقْتَ دموعنا يا ذئب تقتلني وتدخل جُثَّتي وتبيعها !!!اخرجْ قليلاً من دمي حتى يراك الليلُ أكثَر حُلْكَةً...واخرجْ لكي نمشي لمائدة التفاوض واضحينْ كما الحقيقةُ : قاتلاً يُدلي بسكِّينٍ... وقتلى/ يدلون بالأسماء : صبرا ,كفر قاسم , دير ياسين , شاتيلا!!}

أجل... إن القضاء الرادع غائبٌ والقتلى هم الذين يملكون الحقيقة وذاكرتهم هي التي ستظل شاهدةً على الحقيقة، وإنْ تعاون الجميع على إخفاء الأدلة؛ فالمذابح الجماعية لا تذهب هدراً ، والمسرح الدموي لم يغب عن صفحات الذاكرة ، والدم الطاهر لم يزل دافقا حينما أُجبرتْ القضية بمقاتليها على الخروج من بيروت...
لكن المحيِّر بالنسبة لكل ذي بصرٍ وبصيرةٍ أن 90% من المفاوضات التي جرت عالمياً أو أكثر دائماً ما تنتهي باستعادة الحقوق وإغلاق باب الصراعات العسكرية إلا هذه القضية وأعني بها قضية "فلسطين" لتصير المفاوضات العربية الإسرائيلية سيئة السمعة فلا الحقوق أعيدت ولا الدماء المسفوكة حُقِنتْ ... بل إن الاعتداءات تتواصل والعدو يقضم كل يوم قطعةً عربيةً جديدة دونما اعتبارٍ لقوانينَ أو أعرافٍ!! فلماذا استقر في الوعي العربي حتمية الفشل لأية مفاوضات بيننا والعدو؟!!ذلك ما سيجيب عنه المقال القادم بإذن الله ليكون الختام دافقاً ممزوجا بالألم والغضب لتظل بيروت رمزَ الفداء وشدةِ النزف وطاقةِ أملٍ تربطها برموز مكانية أُخَر لا تفارق الروح مثل الكرمل والقسطل تؤكد وحدة المصير وتؤكد تحوُّل إطلالة الذكرى إلى فعل مقاومة لا لحظةٍ للرثاء وهذا النص الحاشد « صيحات في الخواصر » للشاعر " أحمد الخطيب"
(بيروت أغنية الأملْ/ في شوارعها التقينا بالمقاهي وهي تنزف من شريانها
الدم الحرّ الأصيل/ والتقينا على مدى الموت فتيانها/ بيروت نحن الآن في ميدانها
وهي اجتماع جنوبها في جنّة القسطلْ)
(ومضت بيروت عاتبة على الغابات ... يكوي خصرها وجع كي تعبر النهر الجميل/
فأقم على هذا المدى أفراسها...واكسر حدود المستحيلْ)
(غافلتُ مرثيةً في يدي..غافلتُ غيمةَ ماءْ/ بالقرب من" صَبرا" التقيتُ دمي..يمشي مع الشهداءْ/ إذا ما خاننا وعدٌ رحلنا نحو الضفة الأخرى..وتدخلُ في يدي"صَبرا وشاتيلا"..أراقبها فتأخذ مِنْ يدي حَجَرًا ...وتلقيهِ على الأعداءْ)