الأوقاف: الغش في الامتحانات.. رحلة في متاهات النفس وانكسار القيم
قال وزارة الأوقاف المصرية، إن الغش في الامتحانات أزمة في القيم، وخلل في البناء النفسي، وانكسار في منظومة الأمانة والمسؤولية، تتداخل في صناعته ضغوط الأسرة، وقلق الامتحان، وضعف الثقة بالنفس، وهيمنة ثقافة النتائج على حساب الجهد والاستحقاق.
أوضحت الأوقاف، عبر موقعها الرسمي، انه من هنا تبرز الحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة من منظورٍ تربوي ونفسي وشرعي يعيد للعلم رسالته، وللنجاح معناه الحقيقي... فكيف نحمي أبناءنا من آفة الغش، ونغرس في نفوسهم قيمة الصدق بوصفها أساسًا للنجاح وبناء الأوطان.
أسباب الغش: رحلة في أغوار الدوافع الخفية
ليست ظاهرة الغش وليدة لحظة عابرة، بل هي نتاج تراكمات نفسية وتربوية واجتماعية، تتداخل مع أعماق النفس البشرية وتفاعلاتها مع محيطها. ولعل من أبرز أسبابها:
أولًا: فراغ الروح وغياب البوصلة: حين تنطفئ جذوة الإيمان في القلب، ويغيب الشعور بأن هناك عينًا تراقب كل صغيرة وكبيرة، يسهل على النفس تجاوز الحدود؛ فالطالب الذي يضعف لديه الوازع الداخلي، ويشعر بأنه بعيد عن رقابة الله تعالى، يصبح الغش عنده خيارًا مطروحًا، إنها لحظة انفصال عن الحقيقة الكبرى: أن الله تعالى ﴿یَعۡلَمُ خَاۤئِنَةَ ٱلۡأَعۡیُنِ وَمَا تُخۡفِی ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، وكأن الإنسان يراقب حساب الناس وينسى حساب رب الناس.
ثانيًا: قلقٌ ينهش الروح وخوفٌ من المجهول: يعيش كثير من الطلاب حالة من القلق، يدفعهم الخوف من الفشل، ومن نظرات المجتمع، ومن عدم تحقيق توقعات الأهل إلى البحث عن مخرج سريع، وقد يتحول هذا القلق إلى ذريعة يتعلل بها الغاش، وكأن الغش سبيلٌ للنجاة، لكنه في الحقيقة وهم؛ فالغش لا يعالج الفشل، بل هو فشل في مواجهة المسؤولية وانكسار في بناء الشخصية.
ثالثًا: الكسل الذي يورث التبعية: الغش هو الطريق السهل لمن لم يعتد مشقة الجهد، فهو حيلة من يهرب من المذاكرة والمراجعة، ويبحث عن نتائج بلا تعب، والنجاح الحقيقي لا يُبنى إلا على الجد والاجتهاد وبذل الأسباب، أما الغش فهو دليل على ضعف الثقة بالنفس، وغياب الاستعداد لتحمل المسؤولية.
رابعًا: غياب القدوة وفساد النموذج: عندما يرى الطالب من حوله يتهاونون في النزاهة، أو يمارسون الغش، أو يتغاضون عنه، يترسخ في نفسه أن الأمر عادي ومقبول؛ فالمدرسة التي تهمل الرقابة، والمعلم الذي يحابي، والأسرة التي تهتم بالدرجات على حساب القيم، كلها عوامل تسهم في انتشار هذه الظاهرة؛ لأن النشء يتأثر بما يراه أكثر مما يتأثر بما يُقال له.
خامسًا: فتنة التكنولوجيا وسهولة الوسائل: في عصر التطور التقني، تطورت وسائل الغش من الطرق التقليدية إلى وسائل حديثة؛ كاستخدام بعض الأجهزة الذكية، وتسريب الأسئلة، وتداول الإجابات عبر وسائل التواصل، وقد توهم هذه الوسائل بعض الطلاب بأن الغش أصبح أمرًا سهلًا، مما يقلل من استشعار خطورته في نفوسهم.
خطورة الغش: آثار تمتد من الفرد إلى المجتمع
الغش ليس مجرد خطأ عابر ينتهي بانتهاء الامتحان، بل هو سلوك يترك آثارًا عميقة في حاضر الفرد ومستقبل المجتمع، وتمتد آثاره لتشمل جوانب متعددة:
أولًا: على مستوى الفرد: تدمير الذات وانهيار الضمير
تفكك الشخصية الأخلاقية: من يغش يتدرب على الكذب والخداع، وقد تتحول هذه السلوكيات إلى جزء من شخصيته، فيفقد المصداقية ليس في الامتحان فقط، بل في حياته كلها، ويصبح معتمدًا على غيره، بعيدًا عن طريق الإبداع والإنتاج.
فقدان الثقة بالنفس: في أعماق الغاش شعورٌ دائم بالنقص وعدم الكفاءة؛ لأنه يدرك أنه لم يحقق نجاحه بجدارة، وهذا الشعور قد يلازمه ويضعف عزيمته في المواقف المختلفة.
أكل الحرام وشؤم المال: إن الشهادة التي تُنال بالغش تقوم على غير استحقاق، وما يترتب عليها من عمل أو كسب يكون محل شبهة؛ لأن أساسه لم يُبنَ على الأمانة والجدارة، فعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» [البيهقي: شعب الإيمان (٥٣٧٥)]؛ فكيف يطمئن الغاش إلى ما اكتسبه، وقد قام على طريق غير مشروع؟
ثانياً: على مستوى المجتمع.. تمزيقٌ للنسيج وتآكلٌ للقيم
هدر العدالة وتكافؤ الفرص: الغش يهدم المبدأ الأسمى في أي نظام تعليمي، وهو العدالة؛ فهو يمنح الحقوق لغير الأكفاء، ويُسوِّي بين المجتهد والكسول، ويهدم هِمَم المتفوقين، ويُسلِّم زمام الأمور إلى غير أهلها.
إضعاف الأمم وتأخرها: عندما تتخرج أجيالٌ تحمل شهاداتٍ لا تعكس قدراتها الحقيقية، تُصاب الأمة بالوهن؛ فلا اختراعات تخلقها عقولهم، ولا ابتكارات تثري حضارتهم، ولا نهضة حقيقية تُبنى على سواعدهم، يقول الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف: إن الغش "يتسبب مستقبلًا في إخفاق أكبر في شتى مجالات الحياة؛ لأن ما بُني على باطل فهو باطل".
انتشار الفساد: من اعتاد الغش في صغره قد يحمله ذلك على الغش في عمله ومنصبه، فينتشر الفساد الإداري، وتضيع الحقوق، وتختل المعايير، ويُهدم بناء المجتمع من الداخل.
ثالثاً: الغش الجماعي.. جريمةٌ منظمةٌ ضد التعليم
يتجاوز الغش في بعض الأحيان طابعه الفردي ليصبح ظاهرةً جماعيةً منظمةً، تشمل تسريب الاختبارات، وتبادل الإجابات، والاتفاق على إشاراتٍ معينة، وهذا النوع من الغش يُعدُّ بمثابة جريمةٍ منظمةٍ ضد مستقبل الأمة، وضد كل طالبٍ مجتهدٍ بذل جهده أملاً في تحقيق العدالة.
الغش في ميزان الشرع: خيانة وبراءة نبوية
يتفق الفقهاء والعلماء على أن الغش في الامتحانات حرامٌ قطعًا، وهو من الذنوب العظيمة التي توجب الوعيد الشديد، والأدلة على ذلك واضحةٌ جلية.
فقد جاءت آيات القرآن الكريم، وإن لم تذكر الغش في الامتحانات بصريح العبارة، فإنها تنهى عن كل صور الخيانة والظلم، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا لَا تَخُونُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا أَمَٰنَٰتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
والغش خيانةٌ للأمانة التي هي أساس التكليف، وخيانةٌ لله قبل أن يكون خيانةً للنظام.
وكذلك جاء في الحديث النبوي الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [أخرجه مسلم، الصحيح (١٠١)].
ولنتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا»؛ فهي صيغة زجرٍ ووعيدٍ شديد، وإعلانٌ بأن الغش ليس من هدي النبوة ولا من أخلاق المؤمنين، فكيف يرضى مسلمٌ أن يتلبس بخلقٍ حذر منه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؟
وقد أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى أن "الغش في الامتحانات سلوكٌ محرَّم، يُهدر الحقوق، ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤثر سلبًا في مصالح الفرد والأمة"، كما أكدت الدكتورة هبة إبراهيم، عضو المركز، أن "الغش في الامتحانات محرم شرعًا في جميع الأحوال".
ويدخل في تحريم الغش تحريمُ الإعانة عليه؛ فيحرم على المدرس أو المراقب أو أي شخصٍ أن يعين طالبًا على الغش، سواء بالتغاضي أو التسهيل؛ لأن ذلك يعد إعانةً على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُو عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ﴾ [المائدة: ٢].
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض