رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كواليس معركة الـ 12 عاماً لإنقاذ ميكروفيلمات الجامعة العربية

الوزير المفوض هالة جاد لـ"الوفد": نصف مليون طابع بريد وثروة تاريخية وثقناها رقميًا

بوابة الوفد الإلكترونية

من "7 صور" فقط إلى مستودع رقمي حي يضم "8000 صورة فوتوغرافية"، ومن إرث محفوظ في مخازن مهدد بالتلف بسبب عوامل الزمن إلى متحف دائم يستقطب الأجيال الجديدة؛ هكذا تبدو حصيلة 12 عاماً من العمل الصامت داخل أروقة جامعة الدول العربية لتوثيق تاريخها، خاض فريق إدارة المعلومات بالجامعة معركة فكرية وتكنولوجية شرسة ليتحول ذاك الإرث إلى مستودع رقمي .

 خلف الكواليس السياسية التي تتابعها الشعوب في الأزمات، تكمن ثروات اقتصادية، واجتماعية، وقانونية، وحتى بريدية قوامها نصف مليون طابع جرى إنقاذها ورقمنتها بالكامل. في حوارها مع "الوفد" ، تكشف الوزير المفوض هالة جاد مدير إدارة المعلومات والتوثيق عن تفاصيل هذا الإنجاز التوثيقي الضخم، وتجيب عن السؤال الأهم: كيف يمكن لهذا المتحف أن يعيد صياغة نظرة الشباب العربي لـ "بيت العرب"؟ و كسر الصورة النمطية للجامعة العربية المظلومة إعلامياً خلف جدران السياسة.

س: في البداية، نود التعرف على الفكرة الرسمية لنشأة هذا المتحف، ومتى بدأ الإعداد الحقيقي له؟

  الفكرة ولدت وتطورت بين عامي 2013 و2014. عندما بدأنا العمل، وجدنا أن "ذاكرة الجامعة العربية" بمختلف أشكالها – سواء الذاكرة الفوتوغرافية، أو البريدية، أو الوثائقية، أو السمع بصرية، أو الميكروفيلمية – كانت تعاني من تشتت كبير؛ إذ لم تكن مجتمعة في مكان واحد، ولم يخضع معظمها للتوثيق الممنهج.

كان التحدي الأول بالنسبة لنا هو "خلق الفكرة" والإيمان بها داخلياً أولاً ثم خارجياً. ونجحنا في الفترة من 2013 إلى 2014 في تصدير هذا الإيمان، وبناءً عليه استصدرنا قراراً وزارياً من مجلس وزراء الخارجية العرب عام 2014 يؤكد على أهمية مشروع "التوثيق المرقمن لذاكرة الجامعة" باعتباره مشروعاً قومياً عربياً يتطلب تكاتف جميع الجهود لتنفيذه.

التحديات والصعوبات

س: هل كانت التحديات المادية هي العقبة الأساسية التي واجهتكم في البداية؟

 في الواقع، التحديات المادية كانت حاضرة بالطبع؛ لأن موازنة الأمانة العامة ضئيلة للغاية ولا تكفي لتمويل مشاريع ضخمة كهذه. ولكن العقبة الأولى كانت "فكرية وثقافية" تتمثل في كيفية إقناع فريق العمل المتكامل في الأمانة العامة بالإيمان بالجدوى، وبأهمية أن تمتلك هذه المؤسسة ذاكرة موثقة.

أخذنا عاماً كاملاً في مرحلة الإعداد الرصد والتجميع، واستمر العمل لسنوات. أما بالنسبة للتحدي المادي والتكنولوجي، فقد واجهناه عندما انتقلنا إلى مرحلة "التوثيق المرقمن"، والتي تتطلب أجهزة متطورة ومعاملاً رقمية متكاملة. بدأنا بنواة صغيرة جداً بجهازين فقط لتحويل المواد التقليدية، مثل "الميكروفيلم" الذي سجلت عليه كافة محاضر جلسات الجامعة في الأربعينيات والخمسينيات، إلى صيغ رقمية لحمايتها من التلف والضياع، تلاها بعد ذلك التوسع التدريجي وبناء المعمل الرقمي.

 

احياء ثروة

س: من بين أقسام المتحف المتنوعة، استرعى انتباهنا متحف "البريد العربي"، ما هي قصته وكيف وصل إلى هنا؟

متحف البريد العربي يمثل قصة نجاح مميزة. تاريخياً، كان "الاتحاد البريدي العربي" من أوائل المؤسسات المتخصصة التي أُنشئت في إطار الجامعة العربية، وكان يتولى جمع كافة الطوابع البريدية الصادرة عن هيئات البريد في الدول العربية كافة. وعندما أُلغي هذا الاتحاد، صدر قرار وزاري بنقل هذه المجموعات المقتناة إلى مقر الجامعة ليؤسس لها متحف خاص.

المشكلة الكبرى أن هذه الثروة كانت في غرفة صغيرة ، دون أي قاعدة بيانات أو توثيق أو رقمنة. نحن نتحدث هنا عما يقرب من نصف مليون طابع بريد. والطوابع ليست مجرد قيمة معنوية أو تاريخية، بل هي ثروة مادية ومالية؛ فأي تلف يصيب تفاصيل الطابع (مشرشراته) يفقد قيمته فوراً. كان التحدي الضخم في عامل الوقت؛ حيث تعين علينا وصف، وفهرسة، وتكشيف، ورقمنة هذه المجموعات الهائلة لحمايتها، وهو ما استغرق منا جهداً مكثفاً.

 

س: كيف تطور المستودع الرقمي للمتحف منذ البداية وحتى اليوم؟

بدأنا المستودع الرقمي بـ 7 صور فقط، واليوم يضم المستودع حوالي 8000 صورة عالية الجودة. وقبل إطلاق المتحف بشكل رسمي، وتحديداً بين عامي 2015 و2020، بدأنا في إنتاج مخرجات ملموسة من هذا المشروع؛ فأصدرنا موسوعات فوتوغرافية، وكتباً وثائقية بالتعاون مع الدول العربية الأعضاء لتوثيق تاريخهم ومحطاتهم داخل الجامعة العربية.

س: شهدنا في سبتمبر الماضي افتتاح المرحلة التجريبية من خلال وزراء الخارجية العرب، كيف تحول المشروع من معرض إلى متحف دائم؟

 بالفعل، افتتح وزراء الخارجية العرب المرحلة التجريبية في سبتمبر الماضي. في ذلك الوقت وكان الأمر أقرب إلى "معرض" منه إلى متحف. ولكن بعد الأصداء الإيجابية الكبيرة والإشادات الواسعة، أصدر معالي الأمين العام قراراً بتحويله إلى متحف دائم يمتلك مقومات الديمومة والاستدامة. وبناءً عليه، استبدلنا الهياكل المؤقتة بمواد إنشائية مستدامة ليعيش المتحف طويلاً ولا يتأثر بعوامل الزمن.

س: حدثينا أكثر عن الأقسام المتنوعة للمتحف والرسالة المراد إيصالها؟

المتحف يركز على إبراز العمل العربي المشترك وأهداف الجامعة منذ تأسيسها وتاريخها. يضم المتحف قسماً خاصاً تحت اسم "حراس العروبة" يسلط الضوء على الأمناء العامين الثمانية الذين قادوا المنظومة منذ عهد عبد الرحمن عزام، ويعرض مقتنياتهم وجهودهم. كما يبرز المتحف جوانب العمل العربي في القطاعات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والقانونية.

كذلك يضم المتحف قسم "البانوراما الرقمية"؛ حيث يمكن للزائر الجلوس لمدة ساعة لمشاهدة عرض بانورامي متكامل لجميع أنواع الذاكرة المرقمنة التي عملنا عليها طوال 12 عاماً.

نحن لا نركز على الجانب السياسي التقليدي؛ فالهدف الأساسي هو تعريف الأجيال المقبلة بالدور الحقيقي لجامعة الدول العربية وبناء الوعي، خاصة في مصر التي قادت جهود التأسيس واستضافت المنظومة.

الوزير مفوض هالة جاد خلال حوارها مع محررة الوفد 
الوزير مفوض هالة جاد خلال حوارها مع محررة الوفد 

كسر الصورة النمطية 

س: الشعوب العربية عادة ما تنظر إلى الجامعة العربية من منظور سياسي بحت، وتنتقد أداءها أحياناً في أوقات الأزمات، هل يسهم المتحف في تغيير هذه الصورة؟

 كلامك صحيح تماماً ومضبوط، ونحن نعاني من هذه الإشكالية منذ فترة طويلة؛ المنظمة دائماً مظلومة إعلامياً لأن التركيز ينصب فقط على الشق السياسي، في حين أن الشق الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والقانوني، والعسكري، وشؤون الوساطة يحفل بأنشطة ضخمة ومجالس وزارية فاعلة ومتخصصة تنفرد بها الجامعة كمنظمة. للأسف، الإعلام الخارجي يفضل دائماً تسليط الضوء على الأزمات السياسية. 

ولأننا ندرك هذه المشكلة، فإن المتحف يستهدف بشكل أساسي جمهور الشباب والأطفال في المدارس والجامعات. ومن خلال إدارة التدريب لدينا، تبرم اتفاقيات مع المدارس والجامعات (المصرية، والعربية، والأجنبية) لتنظيم رحلات دورية لزيارة مقر الجامعة والمتحف والمكتبة التاريخية التي تعود لعام 1960 وتضم كتبًا نادرة من عام 1945 بثلاث لغات.

س: هل سيكون هذا المتحف متاحاً لزيارة المواطنين العاديين من أفراد الشعب؟

نعم، بكل تأكيد. المتحف سيكون متاحاً للجمهور، وهذه المرحلة تجري دراسة آليات تنظيمها وإتاحتها حالياً لتكون المنصة الكبرى لنشر الثقافة والوعي، وعرض هذا الإرث التاريخي العظيم بشكليه الورقي والرقمي التفاعلي أمام الجميع.

وزير مفوض هالة جاد والصحفية مونيكا عياد
وزير مفوض هالة جاد والصحفية مونيكا عياد