في عيد ميلاده.. القاهرة تبايع أحمد عبدالمعطي حجازي أميرًا للشعر العربي الحديث
سامح محجوب يجمع النقاد والشعراء على مائدة حجازي
حسام جايل: حجازي رائد التجديد الذي صالح القرية بالمدينة وباريس
سيرة لم تُكتب بعد: حجازي يعلن ديوانًا جديدًا ويحلم بتدوين أيامه
• من محمود حميدة إلى ناصر عراق: القصيدة تُقرأ.. والذاكرة تشهد
بعض الشعراء يمرون، وحجازي أقام.
بعض الأصوات تُسمع، وصوته لا يزال يُنصَت إليه.
أحمد عبد المعطي حجازي ليس سطرًا في كتاب الشعر العربي. إنه الفصل كله.
أمس.. لم يكن احتفاءً بميلاد شاعر فحسب، بل احتفاءً بذاكرة جيل، وبصوتٍ حفر اسمه في تراب القصيدة قبل أن يكتبه على الورق. هو الذي كتب "مدينة بلا قلب" فصار للمدن كلها قلب، وصرخ "لم يبق إلا الاعتراف" فاعترفنا أن الشعر يمكن أن يكون مظاهرة. هو الذي مشى في "أوراس" الثورة، ورسم "كائنات مملكة الليل" حين نام الآخرون، وفي "مرثية العمر الجميل" كتبنا معه حزننا على كل ما ضاع، وفي "طلل الوقت" وقفنا نتحسس أيامنا.
احتفينا برجلٍ علّم التفعيلة أن تكون غاضبة، وأن تكون عاشقة، وأن تكون وطنًا. كسر القالب ولم يكسر الموسيقى، تمرد على القديم وهو أكثر من حرسه.
نحن لا نكرم رجلًا تخطى العقد التاسع، نحن نعتذر للزمن، لأنه لن يجود مرة أخرى بحنجرةٍ تقول الشعر فتصير "أشجار الإسمنت" حدائق.
لذا فلم يكن الأمس حفلاً، بل كان شهادة أن بعض الحالات الشعرية لا تتكرر، لأن الزمن نفسه لا يجرؤ أن يعيدها.
وتجسيدا لهذه الشهادة، كان بيت الشعر موعدا مع التفاصيل..

في بيت الشعر الذي يديره الشاعر سامح محجوب، تحلّقت نخبة من النقاد والشعراء مساءً، وكأن القاعة كلها صارت استعارة مفتوحة على اسم حجازي.
أدار اللقاء د. حسام جايل، الذي استهلّ الأمسية التي جاءت تحت عنوان "أحمد عبدالمعطي حجازي.. عمر من الشعر"، بالإشارة إلى فرادة تجربة حجازي كأحد أبرز رواد التجديد في الشعر العربي، مقترنا اسمه بصلاح عبد الصبور. توقف عند خصوصية حجازي في التشكيل اللغوي والموسيقي، وكيف استطاع أن يمنح التفعيلة غضبها وعشقها دون أن يخلع عنها موسيقاها.

ثم تحدث حجازي عن رحلته، من تراب القرية إلى صخب المدينة، ومنها إلى باريس، وكيف ظل هذا الترحال محمولًا على كتف التراث القديم. أعلن عن حلمه الذي لا يزال مؤجلا: كتابة سيرته الذاتية، مؤكدًا أنه لن يتوقف عن كتابة الشعر، وبأن ديوانا جديدا سيبصر النور قريبا.

وتوالت الشهادات. فقد غاص د. سعيد توفيق في الرؤية الفلسفية لشعر حجازي، متتبعا حضور الموت كظل شعري لا يفارق قصائده.

أما الفنان محمود حميدة، فمنح القاعة صوتا آخر للقصيدة، حين ألقى "الرقص" و"لاعب سيرك" بأداءٍ أعاد للكلمات لحمها ودمها.

بينما أنصت د. حسين حمودة لصوت حجازي المتفرد، وشرح كيف تنحت القصيدة عنده ملامحها الأسلوبية التي لا يشاركه فيها أحد.

فيما تناولت د. زينب فرغلي التشكيل الموسيقي عنده، مؤكدة أن الموسيقى في شعره ليست زخرفا عابرا، بل عنصرا دلاليا تؤسس عليه القصيدة بنيانها.
ووصفه الشاعر إبراهيم داود بـ"صوت مصر الناصع شعريا"، مستعيدا ذكريات العمل المشترك في مؤسسة الأهرام، ومتوقفا عند سلام حجازي النفسي في التعامل مع الآخرين، وقدرته على تقبل النقد برحابة.

وقارب د. رضا عطية "الأمثولة الرمزية" في شعر حجازي، مستشهداً بنماذج من قصائده التي تحوّل الرمز إلى وطن.

بينما تتبّع الشاعر أحمد حسن خيط الرمز عند حجازي، وتأثره بالتراث العربي، وكيف امتدّ أثره إلى محمود درويش، مستشهدا بـ"جدارية" كدليل على هذا الحوار الخفي بين القامتين.

واختتم الكاتب الروائي ناصر عراق الأمسية، بحكايات الذاكرة وشهادات العِشرة مع حجازي، ليترك الباب مواربا على زمنٍ شعري لا يزال يكتب فصوله.
خرجنا من بيت الشعر ولم نخرج من حجازي.
تركنا القاعة لكن القصيدة ظلت تمشي معنا إلى البيوت، تقول إن بعض الأصوات لا تُطوى مع الميكروفونات، وبعض الحناجر لا تصمت بانتهاء التصفيق.





تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض