كبسولة فلسفية
هناك فكرة خفية نكبر ونحن نصدقها: أن الإنسان يصل في لحظة ما إلى صورته الأخيرة. لكن الحقيقة، يا صديقي القارئ، أن لا أحد يكتمل. نمر بتجارب تغيّرنا من حيث لا نشعر، ونخرج من مواقف تترك في الداخل شيئًا جديدًا، أو تزيل شيئًا لم نعد نحتاجه. وكأن الحياة نفسها تمسك بيدنا وتخبرنا أننا ما زلنا قيد التشكيل، وأن البناء لم ينته بعد. وإذا تأملت قليلًا، ستجد أن كل مرحلة مررت بها أعادت رسم جزء منك. ربما تغيّر طموحك، أو نضجت طريقة تفكيرك، أو صرت تتعامل مع الألم بهدوء أكبر. وهذا ليس ضياعًا كما يعتقد البعض، بل علامة أنك حي.
لأن الجمود فقط هو نهايتك الحقيقية. أما ما دمت تتحرك من الداخل، فأنت تتطور، حتى لو لم تلاحظ ذلك فورًا. المؤلم أن كثيرين يحاسبون أنفسهم، يا عزيزي، كأنهم نسخة نهائية، فلا يسمحون لها بالخطأ، ولا يتقبلون تعثرها، ولا يعطونها حق أن تتبدل مع الزمن. لكن لو رأيت نفسك مسودة قيد التحرير، ستصبح أكثر تسامحًا مع ذاتك. ستفهم أن بناء النفس يحتاج صبرًا، وأن بعض الفصول تُكتب مرتين قبل أن تستقر، وأن النمو ليس صعودًا دائمًا، بل منحنيات.
ومن أجمل تفاصيل الرحلة أن التغيير الحقيقي لا يحتاج حدثًا عظيمًا. أحيانًا يبدأ الأمر من ملاحظة صغيرة، من سؤال داخلي، من موقف يهزك ويعيد ترتيب قناعاتك. وقد تجد نفسك، دون خطة واضحة، تتخلى عن عادة كانت تؤذيك، أو تقترب من شيء كان يخيفك، أو تعود لشيء فقدته وتكتشف أنه كان جزءًا منك طوال الوقت، يا صديقي.
أنت لست شخصًا انتهى، ولا صفحة أُغلقت، ولا نتيجة أخيرة. أنت حكاية تُكتب كل يوم... وربما أجمل ما فيها لم يحدث بعد. لكن إن كنت ما زلت تتشكل حتى الآن، فمن الذي رسم ملامحك الأولى؟ ومن أين جاءت طباعك وخوفك وحنينك؟ هناك تبدأ الحكاية القادمة.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض