رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف

واستيقظت سوسن "قصة قصيرة"

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

 

 

             استيقظتْ سوسن

 

  استيقظتْ سوسن وهي تشعر أنها تكره زوجها جدًا! قلبها يشتعل غضبا وعيناها متأججتان بالمرارة، لا تتذكر بالضبط ما الشعور الذي نامت عليه لتصبح على تلك الحالة! لكنها ما إن استفاقت حتى شعرت بالاختناق وبرغبة مُلحة في البكاء والصراخ؛ لذا نادت على زوجها بصوتٍ يتأجج حنقا، وحين لم تسمع له حسًّا، أزاحت الغطاء في حركة عصبية وهي تنتوي افتعال معركة كبيرة معه، جذبتْ عصاها المستقرة دائما بجوار الفراش، توكأت عليها بحذرٍ متوجهة نحو الحجرة التي أصبحت مستقرا لزوجها منذ بضع سنوات، لكنها انتبهت لصينية مستديرة.. ملأى بالطعام على مائدة السفرة، تأففت.. وزاد حنقها وهي تسب زوجة ابنها في سرها "كم أنتِ غبية وعنيدة يا مريم.. لقد حذرتك من قبل ألا تدخلي الشقة وأنا نائمة لتضعي الطعام.. ومع ذلك لا تحترمي رغبتي.. إن طعامك سيئ للغاية ولا أستسيغه... آاه منك.. أفهم دماغك الخبيثة جيدا، إنكِ تطمحين أن تكوني ست البيت بدلا مني.. لكنني لن أمنحك الفرصة أبدا".
 وبينما هي تخطو بتؤدة في الردهة.. تقافزت أمامها العديد من المعارك التي نشبت بينها وبين زوجها، وتراءت أمامها المشاحنات الكلامية التي تتحول بقدرة قادر لحربٍ حامية الوطيس قد تصل منتهاها إلى ما لا تحمد عقباه.
 زفرت متحسرة وهي عند باب الحجرة، هتفت تعاتبه كأنه يقف أمامها: "منذ زواج ابننا وأنت تنام في حجرته، تتعلل بالحجج الواهية كي تبتعد عني، ولا تسمح لي بالاقتراب منك إلا حين أدهن جسدك المتهدّل بكريم الروماتيزم".

  كان الفراش خاويا إلا من منامته القطنية، فاستنتجت أنه ذهب إلى المقهى ليجالس أصدقاءه الذين لا تحبهم... ولا تحب زوجاتهم المتعاليات، فهن لا يفوتن الفرصة كي يتباهين بأساورهن الذهبية والساعات ذات الماركات، فتشعر بضآلتها، وتدعو الله أن يعتقدن في قرارة أنفسهن أن أساورها الرخيصة من الذهب الخالص وليست ذهبا صينيا رديئا، لكن دعاءها قد خاب مسعاه ذات يوم، حين ألمحت واحدة منهن أن أساورها تبدو كالحقيقية مع أنها ليست كذلك، بدت نبرتها خبيثة ونظراتها شامتة، فأسرت سوسن شعورها بالمهانة ولم تعقب، وانزوت في ركن بعيد وهي تتصنع قيامها بمكالمة مهمة لابنها الوحيد.

  جلست على الفراش، ثم جعدت بيجامة زوجها بيدها، وانخرطت في بكاء حارق، ذاكرة القلب عامرة ولا تنسى أنه تنقل من امرأة لأخرى، ما بين زميلات العمل والجارات وحتى الصديقات المقربات، صاحت بصوت عالٍ كأنها تواجهه "لقد سمعتك تحدثهن، وعندما واجهتك.. أنكرت واتهمتني بالجنون، لكنك اضطررت للاعتراف في المرة الأخيرة، وصارحتني أنك ستتزوج من فتاة بعمر ابنك، فسقطت صريعة للمرض" .
 ارتفع نشيجها، واشتعلت رغبتها بالعراك معه، فاتصلت به وهي على حافة الغليان، لكن هاتفه كان مغلقا. 
  ****
  استيقظت سوسن وهي تشعر بشوقٍ عارم نحو زوجها، ابتسمت في هيامٍ متذكرة أيامها السعيدة معه، راحت تناديه بصوت رقيق، لكنه لم يرد عليها، فأبعدت الغطاء عن جسدها برفق، واتكأت على عصاها، ثم دقت بها الأرض دقاتٍ متناغمة متجهة نحو الردهة، استندت على مائدة السفرة، ابتسمت ناظرة إلى صينية مستطيلة تمتلئ بالطعام، تمتمت ممتنة "إن مريم رائعة حقا، تخاف عليّ كثيرا، ولا تحب إزعاجي؛ لذا تفتح الباب في هدوء وتضع طعامها الشهي، لقد ناشدتني كثيرا أن تبيت معي كي تطمئن عليّ في أثناء الليل، لكنني رفضت، خشيت أن يصبح زوجي على غير راحته، خصوصا أنه يجلس طوال النهار بملابسه الداخلية تجنبا للحر، مريم حقا طيبة القلب.. وابني محظوظ بها... هذه بركة دعائي له بالزوجة الصالحة".

 نادت زوجها تارة أخرى وذكرياتها معه تتقافز أمام عينيها، لقد تزوجا عن حب كبير لا زالت تحكي عنه بفخر أمام الجميع، صممت عليه رغم اعتراض الأسرة، رأوا فيه الشاب المدلل ذا العلاقات النسائية العديدة، ورأت فيه الشاب الوسيم الذي تحسدها عليه الفتيات، سدت أذنيها عن أي كلام ينتقص من قدره، استمعت فقط لنداءات قلبها الذي لم يحب سواه.

 عبرت الردهة والمشاهد الحالمة تتواتر أمامها، فهنا كانت تجلس بين أحضانه وهما يشاهدان فيلما رومانسيا قديما، وهنا كانا يتبادلان الابتسامات أمام خطوات ابنهما الأولى، وهنا كانت تطعمه بيديها، فيباغتها بتقبيل أناملها، وهنا..  وهنا.. وهنا، إنه الحب الذي جعلها لم تتأخر عنه حين تعرض لمشكلة مالية كبيرة، وهبته ذهبها عن طيب خاطر ليفك أزمته، واضطرت أن تستعيض عنه بذهب صيني، وهو أقسم لها أنه سيعوضها في القريب العاجل.

وقفت عند عتبة الحجرة التي استقر بها منذ زواج الابن، وقتها لثم ما بين عينيها وقال لها "منذ اليوم سأنام في هذه الحجرة وحدي حتى لا يقلقك صوت سعالي، ولا تزعجك رائحة كريم الروماتيزم النفاذة.. سأنام وحدي مضطرا كي تنعمي بقسط وافر من النوم، وكي تستقر حالتك الصحية كما طلب الطبيب" لقد وافقت على مضض بعد محاولاته المضنية لإقناعها، يومها همست له مبتسمة "لكنني لن أتنازل عن دهان جسدك الغالي بكريم الروماتيزم، فأنا لن أفوت الفرصة كي ألمسك واقترب منك، فأنت حبيبي منذ ثلاثين عاما"

  منامته القطنية نائمة كقطة وديعة في مكانها، تحسستها.. وقربتها لأنفها.. تلتمس فيها رائحته ورائحة ذكرياتها معه، كانت ترتديها حين يغيب، تغوص في اتساعها الهائل، يضحك حين يرى هيئتها "أنتِ طفلة ولن تكبري أبدا" ترد في لومٍ أنثوي: بل أصبحت كبيرة جدا حتى إنك كنت ستتزوج فتاة صغيرة لتستعيد شبابك"
يضمها قائلا في حنان: غلطة ولن تتكرر.. أنا لا أستطيع الاستغناء عنك أبدا يا سوسو"
 ناوشتها الأشواق.. تلاعبت بها، فسارعت بالاتصال به، زمت شفتيها في ضيق مع الرسالة المنبعثة: "الهاتف ربما يكون مغلقا أو غير متاح"

(٣)
 
   استيقظت سوسن وهي لا تعرف ما بها! مشاعرها غريبة ومتداخلة.. ومرتبكة! يراوغها قلقٌ شديد لسبب لا تعلمه، ويحاصرها برد قارص من كل صوب، تجذب الغطاء لعله يمنحها الدفء، تنادي بصوتٍ مرتعش زوجها، يتردد اسمه كالصدى، يرن في كل ركن.. ولا مجيب!
 يستبد بها الخوف، يستحكم حلقاته حولها، ويصبح شبحا هائلا، يتضاعف ظله، يملأ الجدران! تنتفض.. تقفز من فراشها، تسقط أرضا، لا تستطيع الوقوف، عصاها بعيدة...
بعيدة جدا، 
 تزحف بجسدها نحو الصالة في نداء بائس، بعد جهدٍ مضنٍ تصل لباب الشقة، تصرخ وهي تطرق الباب طرقات هستيرية، تسمع خطوات تقترب منها، لا تعرف هل هي من داخل الشقة أم من خارجها! تنتشلها أيادٍ تعرفها.. إنه ابنها وزوجته مريم اللذان يسكنان في الشقة المجاورة، يحملانها إلى حجرتها، يعاتبها الابن أنها لم تتصل به حين عاودتها الحالة، تتجاهل اهتمامه، تسأله عن أبيه، لا يمنحها إجابة، ترجوها مريم أن تبيت معها، ثم تعطيها حبة دواء وكوبا به ماء، تشيح سوسن برأسها، تصيح منفعلة إن هذا الدواء يجعلها تنام كثيرا فلا تعرف نهارها من ليلها، ثم تسأل تارة أخرى عن زوجها، يصمت الابن وزوجته، يتبادلان النظرات الممتزجة بالشفقة والدموع.
 تقرأ سوسن ما في عينيهما، فتهز رأسها نفيا، تصرخ باكية وهي تكذبهما، يحتضنها الابن في حنان، يربت على ظهرها مواسيا، تمد مريم يدها بحبة الدواء، فتتناولها سوسن مستسلمة وعيناها لا تكفان عن الإمطار.