قطوف
يداك والمنافي
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

يَداكَ والمَنافي
آمنت مؤخراً أنَّ الأشياء لا تكتمل إلا بنقيضها، ولم أكن لأعرف معنى الوطن لولا أنني ذقتُ مرارة المنافي، لولا أنهم حاولوا إقناعي بأن صدقي حريقٌ يلتهم الآخرين؛ ليس سهلًا أن تخرج من حطامك وتدع خلفك كل الجنازات التي أقمناها للأحلام الميتة.
بيني وبينكَ اليوم حكايةُ ناجٍ من معركةٍ لم يخترها، وقف يوماً وسط الرماد يظن أنَّ نهايته قد حُتِمت، الناسُ يكشفُهم ما تفعل أيديهم حين يطمئنّون، وأنتَ كانت يداكَ هادئتين على نحوٍ أثار شكي.
بعد خريفٍ طال انتظاره..
أقفُ معكَ على أطلالِ كل ما احترق خلفي، حيث تركني ذاكَ الذي لم يَر فيَّ سوى نار، ووصفني باللظى لأن عينيَّ كانتا تلمعانِ بفيضِ الصدقِ الذي لم يحتملهُ زيفه.
الآن، ألقي بشظايا كلماته في هوةِ النسيان، وأوقدُ من رمادِ خيباتي قناديلَ احتفالٍ بوجودكَ؛ فكل جرحٍ خلّفهُ ورائي، صار باباً يفيضُ منه نورُكَ.
أحدقُ في ملامحك، فأرى طفولتي المفقودة وهي تركضُ نحوي عبر سنواتِ التيه، أرى تلك الصغيرة التي بكت يوماً لأنَّ عروستها لم تنطق، فصرتَ أنتَ حكايتها التي لا تصمت .. فأنفاس روحكَ في روحي تغنيني عن ضجيجِ العالمِ بأسره.
أتشبثُ بكَ بكلِّ ما أوتيتُ من لهفةٍ، وأغرس قلبي في تربةِ أمانكَ كي لا تقتلعني رياحُ الغياب، لقد أدركتُ أخيراً أنَّ الأيام ما هي إلا عاصفةٌ ثلجيةٌ، وأنَّ كلَّ من مرُّوا بي كانوا غرباء تعثروا في خطىً تائهةٍ محاها البرد.
إلا أنت ..
أنتَ الرداءُ الوحيد الذي نسجتهُ الأقدارُ لأنجو من صقيعِ عمري؛ لا أخاف الغد وأنا أتكئُ برأسي على كتفِ الوقت الذي منحني إياكَ، فلم يَعُد يَعنيني إن كان العابرون قد أخطأوا فهمي، أو إن كان الرمادُ قد غطى وجهَ سنيني الطويلة.
لا يهم كم كان الطريق موحشاً، ولا يهم كم ذئباً من الخيبات عوى في طريقنا؛ المهم هو هذا الثبات الذي أجده الآن في عينيكَ.
لقد تبرأتُ من كل ما مضى، من كل ما فقدت، ومن كل ما بكيت.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض