تمرد داخل معسكر ترامب بسبب الاتفاق
فتح الاتفاق النووى الذى توصل إليه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع إيران جبهة صراع جديدة داخل معسكر «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، بعدما تحول عدد من أبرز حلفائه المحافظين والمؤيدين لإسرائيل إلى معارضين شرسين للاتفاق، معتبرين أن التنازلات الأمريكية المقترحة تمثل تراجعًا خطيرًا عن المكاسب التى حققتها واشنطن خلال الحرب.
فعندما بدأت الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية ضد إيران، تعرضت الشخصيات الانعزالية البارزة داخل التيار الترامبى، مثل تاكر كارلسون ومارجورى تايلور غرين، لهجوم واسع بعدما اتهمت الرئيس بالتخلى عن مبادئ «أمريكا أولًا» والانحياز إلى أجندة إسرائيلية.
لكن المشهد انقلب بعد ثلاثة أشهر فقط. فمع اقتراب التوصل إلى اتفاق مؤقت وظهور فرصة لإنهاء الحرب، بات الصقور الجمهوريون الذين أيدوا المواجهة العسكرية ضد طهران فى مقدمة المعترضين على المسار الدبلوماسى الذى يقوده ترامب.
ويطالب المحافظون المؤيدون لإسرائيل بالكشف الفورى عن نص مذكرة التفاهم التى أبرمتها الإدارة الأمريكية مع إيران، معربين عن استيائهم من السرية التى تحيط بالاتفاق ومن بعض تفاصيله التى تسربت إلى العلن.
وزادت حالة الغموض بعد صدور تصريحات متباينة من البيت الأبيض بشأن موعد نشر الوثيقة. ففى حين أكد مسئولون كبار أن النص سيصدر الثلاثاء أو الأربعاء، قال ترامب إن الكشف عنه قد يتأخر حتى الجمعة عقب مراسم التوقيع الرسمية فى جنيف.
ووفقًا للمعلومات المتداولة، فإن قيادات الحزب الجمهورى فى الكونجرس لا تزال تفتقر إلى التفاصيل الكاملة للاتفاق، وهو ما أثار استياء متزايدًا داخل أروقة الحزب. كما أن إسرائيل نفسها لم تطلع بعد على النص الرسمى لمذكرة التفاهم رغم كونها طرفًا رئيسيًا فى ترتيبات وقف إطلاق النار.
وأثار ترامب مزيدًا من الجدل خلال لقائه أمير قطر، الذى لعب دور الوسيط فى المفاوضات، عندما أشاد بالفريق الإيرانى المفاوض ووصف المسئولين الإيرانيين بأنهم «عقلانيون للغاية» و«يسهل التعامل معهم» و«غير متطرفين»، مؤكدًا أنهم يسعون إلى تحسين أوضاع بلادهم.
وأثارت هذه التصريحات غضب المحافظين المتشددين الذين يعتبرون النظام الإيرانى كيانًا إرهابيًا غير قابل للإصلاح، ورأوا فى لغة ترامب مؤشرًا إلى أن الاتفاق يمنح طهران مكافأة سياسية بعد تمكنها من الصمود خلال الحرب.
وتتركز اعتراضات حلفاء ترامب المؤيدين لإسرائيل على ثلاثة محاور رئيسية حسب تحليل أكسيوس والتى أشارت إلى أن أول هذه المحاور يتعلق بالأموال. فمذكرة التفاهم ستسمح لإيران باستئناف بيع النفط بصورة فورية، كما تمهد الطريق لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال مجمدة والمضى نحو إنشاء صندوق لإعادة الإعمار تصل قيمته إلى 300 مليار دولار خلال المرحلة المقبلة من المفاوضات النووية. وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن أى تخفيف للعقوبات سيكون مشروطًا بالتزام إيران ببنود الاتفاق، يرى المعارضون أن مجرد احتمال تدفق هذه الأموال إلى طهران يمثل خطرًا كبيرًا.
أما المحور الثانى فيتعلق بالنفوذ السياسى والعسكرى. فبحسب المنتقدين، أدت أشهر من العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إلى إضعاف القدرات النووية الإيرانية والبنية العسكرية التقليدية لطهران بشكل غير مسبوق. ولذلك يعتبرون أن موافقة ترامب على فتح نافذة تفاوضية لمدة 60 يومًا ورفع الحصار البحرى المفروض على إيران يمثل إهدارًا لورقة ضغط استراتيجية كانت بيد واشنطن. ويذهب بعض المتشددين إلى حد القول إن النظام الإيرانى كان يقترب من الانهيار، رغم عدم وجود أدلة قوية تدعم هذا التقدير.
أما المحور الثالث فيرتبط بمسألة الثقة. إذ يشكك منتقدو الاتفاق فى إمكانية إقناع إيران بتغيير سلوكها أو تقديم تنازلات نووية حقيقية، وهى مخاوف تتردد أيضًا داخل بعض دوائر الإدارة الأمريكية نفسها.
وفى هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف أبلغ ترامب بوجود شكوك جدية لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية بشأن استعداد طهران لتقديم التنازلات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق نهائى طويل الأمد. وجاءت الانتقادات الأكثر حدة من شخصيات محافظة كانت حتى وقت قريب من أبرز المؤيدين لسياسات ترامب تجاه إيران. فقد وصف المعلق المحافظ مارك ثيسن فكرة تخصيص 300 مليار دولار لإيران بأنها «كارثة»، معتبرًا أن الأمر يشبه إطلاق خطة مارشال لإعادة إعمار ألمانيا بينما كان النظام النازى لا يزال قائمًا.
بدوره، وجه الإعلامى المحافظ مارك ليفين، الذى أمضى أشهرًا فى مهاجمة الأصوات المعارضة للحرب مثل تاكر كارلسون وميجان كيلى، انتقادات حادة للاتفاق، معربًا عن أمله فى أن تكون المعلومات المتداولة عنه غير دقيقة.
فى المقابل، يدافع البيت الأبيض بقوة عن مذكرة التفاهم. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن ترامب وفريقه التفاوضى نجحوا فى التوصل إلى اتفاق قائم على الأداء ويحقق المصالح الأمريكية من خلال إنهاء القتال وإعادة فتح مضيق هرمز بما يساهم فى خفض أسعار الطاقة، إضافة إلى إلزام إيران بالتخلى عن طموحاتها النووية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض