رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اليورانيوم الإيرانى بين التدوير والتصدير

بوابة الوفد الإلكترونية

 

الدكتور يسرى أبوشادى يكشف لـ«الوفد» السيناريوهات المتوقعة للاتفاق النووى القادم

واشنطن ستقبل فى النهاية بشروط طهران.. وعودة الحرب غير محتملة

إيران لن تتجه لإنتاج قنبلة نووية رغم امتلاكها القدرات

وكالة الطاقة الذرية لم تثبت وجود برنامج نووى قبل الحرب وبعدها

 

استبعد الدكتور يسرى أبوشادى، كبير مفتشى وكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، سيناريو عودة الحرب الأمريكية ضد إيران فى ظل تماسك النظام الذى لم يتم إجباره على تقديم تنازلات شاملة بعد الحرب الأخيرة، مؤكدًا أن طهران ما زالت تحتفظ بأوراق قوة عديدة.

وقال أبوشادى فى حديثه لـ«الوفد» إن إيران لم تكن تتجه، فى تقديره، إلى تصنيع قنبلة نووية رغم امتلاكها القدرة الفنية التى تمكنها من ذلك، موضحًا أن اليورانيوم عالى التخصيب كان يمثل ورقة تفاوضية مهمة استخدمتها طهران فى مواجهة الغرب، تمامًا كما استخدمت لاحقًا ورقة التهديد بإغلاق مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب.

وأضاف أن الحرب كانت «عبثية» ومن دون مبرر حقيقى من وجهة نظره، معتبرًا أن المستفيد الأكبر منها كان إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، التى تمكنت فى ظل أجواء الحرب من تعزيز مواقعها وتوسيع نطاق تحركاتها فى غزة وسوريا ولبنان.

وقال أبوشادى إن الحديث يدور حول مخزون يتراوح بين 440 و500 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، مشيرًا إلى وجود أربعة سيناريوهات فنية مطروحة للتعامل مع هذه الكميات، إلا أن اثنين منها فقط يتمتعان بفرص حقيقية للتنفيذ، بينما يقترب احتمال السيناريوهين الآخرين من الصفر.

وأوضح أن السيناريو الأول الذى تطرحه الولايات المتحدة يتمثل فى التدمير الكامل لليورانيوم المخصب عبر خلطه بمواد أخرى أو تحويله إلى مركبات تجعل استعادته أو إعادة استخدامه مستقبلًا أمرًا مستحيلًا. وأضاف أن هذا الخيار غير منطقى من الناحية الاقتصادية، لأن إنتاج هذه المواد كلف إيران أموالًا طائلة وجهودًا كبيرة على مدار سنوات طويلة، ومن غير المعقول أن توافق طهران على إهدارها بالكامل.

أما السيناريو الثانى، فيقوم على نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة أو بيعه لها، وهو خيار استبعده أبوشادى تمامًا، معتبرًا أن موافقة إيران عليه ستعنى اعترافًا بهزيمة سياسية واستراتيجية كبيرة، وهو أمر لا يمكن أن تقبله القيادة الإيرانية.

وأشار إلى أن السيناريو الثالث، وهو الأكثر واقعية فى تقديره، يتمثل فى تصدير اليورانيوم المخصب إلى دولة صديقة لإيران، وعلى رأسها روسيا. ولفت إلى أن موسكو تمتلك علاقات نووية واسعة مع طهران، إذ قامت ببناء مفاعل بوشهر وتعمل حاليًا على إنشاء مفاعلين إضافيين. كما ذكر أن إيران سبق أن صدرت نحو 90% من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى روسيا بموجب اتفاق عام 2015، حيث تستخدمه موسكو فى تصنيع الوقود النووى المخصص لمفاعل بوشهر، ما يجعل تكرار هذا السيناريو أمرًا منطقيًا وممكنًا.

وأضاف أن السيناريو الرابع يتمثل فى خفض نسبة التخصيب داخل إيران نفسها، بحيث يتم تحويل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى يورانيوم منخفض التخصيب من خلال مزجه بيورانيوم طبيعى أو يورانيوم منضب. وبهذه الطريقة يبقى المخزون داخل الأراضى الإيرانية، لكن بدرجات تخصيب منخفضة قد تصل إلى 1% أو 2%.

وأوضح أبوشادى أن هذه العملية، المعروفة فنيًا باسم «الخلط أو المزج»، تتطلب كميات إضافية من اليورانيوم الطبيعى، ما يؤدى إلى استهلاك جزء من المخزون الإيرانى من هذه المادة، لكنها تتيح فى المقابل الاحتفاظ باليورانيوم داخل البلاد بدلًا من إخراجه إلى الخارج. وشدد على أن تنفيذ مثل هذه الخطوة لن يتم إلا تحت إشراف كامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التى ستراقب عملية الخلط والتخزين اللاحقة.

ورجح أبوشادى أن توافق إيران فى نهاية المطاف على مزيج من الخيارين الثالث والرابع، أى تصدير جزء من المخزون إلى روسيا وخفض تخصيب الجزء الآخر داخل إيران، مؤكدًا أن هذه الصيغة تبدو الأكثر قابلية للتطبيق من الناحيتين السياسية والفنية.

ولفت إلى نقطة وصفها بالمهمة والتى لا تحظى بالاهتمام الكافى فى وسائل الإعلام، وهى أن إيران لن توافق على التخلص من مخزونها من اليورانيوم عالى التخصيب دفعة واحدة. وأوضح أن طهران أصرت طوال سنوات الخلاف النووى على مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة»، بحيث يقابل كل إجراء نووى رفع جزئى للعقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم ضمانات سياسية وأمنية.

وأضاف أن إيران لن تتخلى خلال أسابيع قليلة عن كامل مخزونها قبل التأكد من رفع العقوبات واستعادة أموالها والحصول على ضمانات بعدم تكرار المواجهات العسكرية مستقبلًا، وربما الحصول على تعويضات أيضًا.

وفيما يتعلق بدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أوضح أبوشادى أن الوكالة عادت بالفعل إلى ممارسة أنشطتها الرقابية بعد انتهاء الحرب الأولى الـ١٢ يومًا خلافا لما يعتقده كثيرون. وقال إن المفتشين استأنفوا زياراتهم منذ شهر أغسطس، ونفذوا ما يقرب من عشرين عملية تفتيش بين الحربين، خاصة فى مفاعل بوشهر والمنشآت التى لم تتعرض للقصف.

وأضاف أن الوكالة لم تتمكن من تنفيذ عمليات تفتيش داخل المواقع المدمرة بسبب المخاطر الأمنية الكبيرة، بما فى ذلك احتمال وجود ذخائر غير منفجرة أو انهيارات فى المنشآت الواقعة تحت الأرض.

وأكد أن الوكالة تمتلك القدرة الفنية على تنفيذ عمليات تفتيش واسعة النطاق، مشيرًا إلى أن إيران كانت، ولا تزال، أكثر دولة فى العالم خضوعًا لعمليات التفتيش النووى. وأضاف أنه بعد اتفاق عام 2015 سمحت طهران للمفتشين بزيارة المواقع المعلنة وغير المعلنة على السواء، كما جرى تنفيذ زيارات مفاجئة بصورة متكررة.

وأوضح أن المفتشين لم يكونوا يقتصرون على مراقبة المنشآت النووية المعروفة، بل كانوا يزورون أيضًا مواقع تثار حولها شكوك أو شبهات تتعلق بوجود مواد أو أنشطة نووية غير معلنة.

وشدد أبوشادى على أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن طوال سنوات التفتيش من تقديم دليل قاطع يثبت وجود برنامج إيرانى لصناعة سلاح نووى. وأضاف أن معظم الملاحظات التى أثارتها الوكالة كانت تتعلق بعينات بيئية عثر فيها على آثار ضئيلة للغاية من اليورانيوم، وأن التفسيرات الإيرانية المقدمة بشأنها لم تكن كافية من وجهة نظر المفتشين.

وأشار إلى أن مثل هذه العينات البيئية لا تشكل دليلًا، مؤكدًا على وجود برنامج نووى عسكرى، موضحًا أن حالات مشابهة سجلت سابقًا فى دول عديدة مثل العراق وكوريا الشمالية وسوريا وحتى مصر، وأن وجود آثار ميكروسكوبية من اليورانيوم لا يعنى بالضرورة وجود مشروع لإنتاج قنبلة ذرية.

وختم أبوشادى أن آليات التفتيش التى كانت مطبقة على إيران كانت كافية لكشف أى نشاط نووى سرى واسع النطاق إذا وجد بالفعل، معتبرًا أن الخلاف الحقيقى لم يكن تقنيًا بقدر ما كان مرتبطًا بحسابات سياسية واستراتيجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.