الدقهلية.. ملفات معقدة تضع المواطنين فى مأزق
يُعد قانون التصالح فى بعض مخالفات البناء وتقنين الأوضاع من أبرز التشريعات التى حظيت باهتمام واسع من المواطنين خلال السنوات الأخيرة، نظرًا لارتباطه المباشر بمصير ملايين الوحدات السكنية المخالفة على مستوى الجمهورية، حيث تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من نصف الثروة العقارية فى مصر تضم أنواعًا مختلفة من مخالفات البناء.
ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة للتقدم بطلبات التصالح، تشهد المراكز التكنولوجية بمراكز ومدن وأحياء محافظة الدقهلية حالة من الزحام الملحوظ، حيث يتوافد المواطنون يوميًا لإنهاء الإجراءات وتقديم الملفات المطلوبة. وبينما يجلس البعض على مقاعد الانتظار لساعات طويلة، يقف آخرون أمام الشبابيك والمكاتب حاملين عشرات المستندات والأوراق أملاً فى الحصول على موافقة التصالح وتقنين أوضاع عقاراتهم.
مواطن: القانون فرصة للنجاة من الإزالة والغرامات.. لكن الطلبات كثيرة
أمام أحد المراكز التكنولوجية وقف محمد السيد منتظرًا دوره لتقديم طلب التصالح، مؤكداً أن القانون يمثل فرصة حقيقية للمواطنين لحل مشكلات استمرت سنوات طويلة.
وقال: «جئت لأعرف تفاصيل التصالح واستكمل الإجراءات، ولم أكن أتوقع أن تقدم الحكومة مبادرة تساعدنا على إنهاء هذه الأزمة. فالتصالح يمنحنا فرصة للعيش دون خوف من قرارات الإزالة أو الغرامات أو الأحكام القضائية، لكن الحقيقة أن الأوراق المطلوبة كثيرة والإجراءات تستغرق وقتًا طويلًا».
وأكد يوسف الشحبور، محام، أن القانون الذى انتظره المواطنون لفترة طويلة واجه العديد من العقبات منذ بدء تطبيقه، مشيرًا إلى أن بطء تنفيذ الإجراءات وتعقيدها تسبب فى حالة من الإحباط لدى عدد كبير من المواطنين، موضحًا أن الروتين الإدارى والبيروقراطية كانا من أبرز أسباب تعثر التطبيق، لافتًا إلى أن الحكومة ومجلس النواب عملا لسنوات على إعداد القانون، إلا أن التطبيق العملى كشف عن مشكلات عديدة تتعلق بالإجراءات الفنية والتنفيذية، فضلاً عن غموض بعض الآليات المطلوبة لإنهاء ملفات التصالح.
وأشار الشحبور، إلى أن القانون ألزم المواطن بسلسلة طويلة من الإجراءات تبدأ بسحب طلب التصالح من الوحدة المحلية أو التقديم إلكترونيًا، ثم سداد رسوم الطلب التى تتراوح بين 500 و5000 جنيه وفقًا لطبيعة المخالفة وموقع العقار.
وأضاف أن المواطن مطالب كذلك بسداد مبلغ تحت حساب جدية التصالح، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على كثير من الأسر، حيث يصل المبلغ فى بعض القرى إلى نحو 40 ألف جنيه، بينما قد يصل فى المدن إلى 260 ألف جنيه.
وأكد أن ارتفاع التكاليف يمثل العقبة الأكبر أمام نجاح منظومة التصالح، محذرًا من أن النسخة المعدلة من القانون قد تواجه المصير نفسه الذى واجهته النسخة الأولى إذا لم تتم معالجة هذه الإشكاليات.
من جانبه، قال حمزة زكي، المحامي، إن قانون التصالح حمل العديد من الإيجابيات منذ صدوره، حيث وفر للدولة موردًا ماليًا مهمًا يدعم الموازنة العامة، كما أتاح للمواطنين فرصة إنهاء القضايا والأحكام الجنائية المرتبطة بمخالفات البناء.
وأضاف أن القانون مثّل خطوة مهمة لاستعادة هيبة الدولة وفرض السيطرة على التعديات التى انتشرت بصورة كبيرة داخل وخارج الأحوزة العمرانية.
وأوضح أن التطبيق العملى كشف عن عدد من السلبيات التى لا ترتبط بنصوص القانون بقدر ارتباطها بآليات التنفيذ وتفسير بعض المواد، لافتًا إلى أن بعض المواطنين حُرموا من مزايا نص عليها القانون بسبب اختلاف التفسيرات أو الأخطاء الإدارية.
وأشار زكى إلى أن القانون نص على خصم المبالغ التى سبق للمواطن سدادها فى القضايا المتعلقة بالمخالفة من قيمة التصالح المستحقة، إلا أن التطبيق لم يلتزم بهذا الأمر فى بعض الحالات، ما أدى إلى ضياع حقوق مالية على عدد من المواطنين.
وأضاف أن العديد من التظلمات الخاصة بالمبانى الواقعة خارج الحيز العمرانى تم رفضها رغم أن تلك المبانى قائمة بالفعل ومن الصعب إزالتها، وهو ما اعتبره متعارضًا مع فلسفة القانون التى تهدف فى الأساس إلى تسوية الأوضاع القائمة وتقنينها.
بدوره أوضح علاء قمر، المحامي، أن قانون التصالح جاء لمعالجة المشكلات الناتجة عن البناء بدون ترخيص سواء داخل الأحوزة العمرانية أو خارجها، ولتجاوز العقبات التى ظهرت أثناء تطبيق قانون البناء رقم 119 لسنة 2008.
وأشار إلى أن أكبر التحديات التى تواجه المواطنين تبدأ منذ تجهيز ملف التصالح، حيث يتطلب الأمر إعداد رسوم هندسية معتمدة واستخراج شهادات موثقة من نقابة المهندسين، بالإضافة إلى إعداد إحداثيات دقيقة للمبنى المخالف.
وأضاف أن وقوع أخطاء فى الإحداثيات يؤدى فى بعض الأحيان إلى ظهور العقار فى موقع مختلف عن موقعه الحقيقي، الأمر الذى يخلق مشكلات جديدة للمواطن ويؤخر إجراءات التصالح.
وأكد قمر أن المواطنين يواجهون كذلك ارتفاعًا فى تكاليف المعاينات الفنية ورسوم الفحص، إلى جانب زيادة سعر متر التصالح فى بعض المناطق من 50 جنيهًا إلى 195 جنيهًا للمتر.
وأوضح أن اشتراط تشطيب الواجهات الخارجية للعقارات قبل استكمال الإجراءات يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية، لافتاً إلى أنه بعد حصول المواطن على نموذج التصالح النهائى «نموذج 8»، يفاجأ أحيانًا بطلب مستندات وإجراءات جديدة تتعلق بإدخال المرافق والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، ما يطيل دورة الإجراءات ويزيد من معاناة المواطنين.
ورغم أن قانون التصالح فى مخالفات البناء جاء كأحد أهم الملفات التى تستهدف تسوية أوضاع ملايين العقارات وإنهاء نزاعات استمرت سنوات طويلة، فإن التجربة على أرض الواقع ما زالت تثير تساؤلات عديدة بين المواطنين والخبراء حول مدى قدرة القانون على تحقيق أهدافه كاملة، فى ظل شكاوى متواصلة من ارتفاع الرسوم وتعقيد الإجراءات وطول مدة الفحص والبت فى الطلبات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض