الراوى
ليست كل الهدايا تعبيرًا عن المحبة، وليست كل المجاملات بريئة كما تبدو؛ فبعض الهدايا لا تُقدَّم للشخص، وإنما تُقدَّم للمنصب الذي يجلس عليه، وللسلطة التي يمثلها، وللنفوذ الذي يملكه. وهنا تتحول الهدية من لفتة ودٍّ إلى اختبار أخلاقي يكشف معادن الرجال، ويُظهر الفرق بين من يرى المنصب أمانة ومن يراه غنيمة.
يحكي التاريخ قصة تستحق أن تُروى كلما اختلطت المصالح بالمجاملات، وكلما ظن البعض أن استغلال الموقع الوظيفي أو المنصب العام أمر يمكن تمريره تحت ستار العلاقات الشخصية.
في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أرسلت أم كلثوم زوجة أمير المؤمنين هدية إلى زوجة ملك الروم، تضمنت بعض العطور والحلي. كانت هدية عادية في ظاهرها، تحمل معاني التواصل والمجاملة بين الطرفين. لكن ما حدث بعد ذلك كشف قضية أكبر بكثير من مجرد تبادل للهدايا.
فقد ردت ملكة الروم على الهدية بأخرى أكثر قيمة وفخامة، وأرسلت مجوهرات ثمينة وهدايا نفيسة إلى أم كلثوم. هنا لم ينظر عمر بن الخطاب إلى الأمر بوصفه شأنًا عائليًا خاصًا، ولم يتعامل معه بوصفه هدية وصلت إلى زوجته فحسب. بل سأل نفسه السؤال الأصعب: لماذا وصلت هذه الهدية أصلًا؟
هل أُرسلت إلى أم كلثوم لشخصها؟ أم لأنها زوجة أمير المؤمنين؟
كان من السهل أن يغض الطرف. وكان من الممكن أن يعدّ الأمر مجاملة بين امرأتين، وينتهي الموضوع. لكنه أدرك أن النزاهة لا تُقاس في المواقف الصعبة فقط، بل في التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها أحد.
جمع الناس للصلاة، واستشار الصحابة، وطرح القضية للنقاش. لم يتصرف بمنطق الحاكم الذي يملك القرار وحده، وإنما بمنطق المسئول الذي يخشى أن تختلط الحقوق الخاصة بالحقوق العامة.
وبعد التشاور، استقر الرأى على أن هذه المجوهرات لم تصل إلى أم كلثوم لأنها أم كلثوم، وإنما لأنها زوجة أمير المؤمنين؛ فالمنصب كان السبب الحقيقي وراء قيمة الهدية ومكانتها. لذلك رفض عمر أن تستأثر بها زوجته، وأمر بإيداعها في بيت مال المسلمين.
قد تبدو القصة للبعض مجرد واقعة تاريخية عابرة، لكنها في الحقيقة تؤسس لقاعدة أخلاقية عظيمة: أن المنصب لا يمنح صاحبه امتيازات شخصية، ولا يفتح له أبواب المكاسب الخاصة، ولا يبرر له قبول ما لم يكن ليحصل عليه لولا موقعه وسلطته.
إن أخطر أنواع الفساد ليست تلك التي تبدأ بالصفقات الكبرى، بل تلك التي تبدأ بهدية صغيرة، ومجاملة عابرة، وامتياز يبدو بسيطًا. فحين يعتاد الإنسان الحصول على ما لا يستحقه بسبب منصبه، يصبح من السهل عليه لاحقًا أن يبرر ما هو أكبر وأخطر.
ولا نحتاج اليوم إلى مزيد من القوانين فحسب؛ بل مزيد من الوعي الأخلاقي الذي جعل سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، يسأل عن مصدر الاستحقاق قبل أن ينظر إلى قيمة الهدية. فالمشكلة ليست في ثمن الهدية، وإنما في السبب الذي جعلها تصل.
إن المسئول الحقيقي هو من يدرك أن كل ما يأتيه بسبب منصبه ليس ملكًا شخصيًا له بالضرورة، وأن الأمانة تقتضي الفصل بين ما هو حق خاص وما هو حق عام. وعندما تغيب هذه الفكرة، تتحول المناصب إلى أبواب للمكاسب، وتتحول السلطة إلى وسيلة للامتيازات، ويضيع الخط الفاصل بين الخدمة العامة والمصلحة الشخصية.
لهذا بقيت قصة الفاروق، رضي الله عنه ، خالدة عبر القرون؛ لأنها لم تتحدث عن مجوهرات أو هدايا، بل تحدثت عن ضمير يقظ رفض أن يخلط بين الشخص والمنصب. وفي زمن تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه الإغراءات، تظل هذه القصة تذكيرًا دائمًا بأن النزاهة ليست شعارًا يُرفع، بل موقف يُتخذ عندما تكون الإفادة ممكنة، ومع ذلك يختار الإنسان أن ينتصر للأمانة!
«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقُصها الراوي، ويترك لكم التعليق»
أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض