رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


قرار إنشاء الاتحاد المصري للمطورين العقاريين قد يكون واحداً من أهم القرارات التنظيميه التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيره، وقد يكون في الوقت نفسه واحداً من أكثر القرارات خطورة إذا لم تُحكم قواعده منذ اللحظة الأولى.
فالقضيه هنا ليست إنشاء كيان جديد يحمل لافته براقه أو يضيف مؤسسه أخرى إلى الخريطه الإداريه للدوله. القضيه أكبر من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن قطاع اقتصادي يمثل قاطرة تشغيل واستثمار تمتد آثارها إلى عشرات الصناعات وملايين الأسر المصريه. ولذلك فإن أي خطأ في تصميم هذا الاتحاد لن يكون خطأً إدارياً، بل خطأً اقتصادياً تتجاوز تكلفته حدود القطاع العقاري نفسه.
لقد انتظر السوق العقاري المصري سنوات طويلة وجود جهه قادرة على ضبط الإيقاع، وتصنيف المطورين، وحماية المشترين، ومواجهة العشوائيه التي سمحت للبعض بالدخول إلى السوق دون خبرة أو ملاءه ماليه أو التزام مهني. لكن التجربه المصريه تفرض علينا أن نطرح السؤال الأكثر إلحاحاً:
من سيحكم الاتحاد؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
لأن التاريخ الاقتصادي المصري مليء بالكيانات التي بدأت بأهداف نبيله وانتهت إلى ما يشبه "الجمهوريات المغلقه"، حيث تدور المناصب بين مجموعه محدوده من أصحاب النفوذ، وتتحول المؤسسات من أدوات لتنظيم السوق إلى أدوات لإدارة المصالح.
ومن هنا فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في فشل الاتحاد، بل في نجاحه شكلياً وفشله عملياً.
الخطر أن يتحول الاتحاد إلى مظله قانونيه تكرس هيمنة الكبار على حساب الصغار.
الخطر أن تتحول عملية التصنيف إلى أداة لإغلاق السوق أمام المنافسين الجدد.
الخطر أن تصبح الانتخابات مجرد إجراء شكلي ينتج القيادات نفسها كل دوره.
الخطر أن يصبح صوت المطور الصغير غائباً، وصوت العميل معدوماً، بينما تتحكم المصالح الكبرى في القرارات التي يفترض أنها تنظم السوق بأكمله.
إن الدوله المصريه لا تحتاج إلى اتحاد للمطورين العقاريين يضيف طبقه جديده من البيروقراطيه، بل تحتاج إلى مؤسسه تمتلك الشجاعه لمحاسبة الجميع دون استثناء.
فإذا كان الاتحاد قادراً على سحب تراخيص الشركات المخالفه، فمن يضمن ألا تستخدم هذه السلطة ضد المنافسين الضعفاء وتُغض الطرف عن الكبار؟
وإذا كان الاتحاد سيضع معايير التصنيف، فمن يضمن ألا تُفصّل هذه المعايير لخدمة شركات بعينها؟
وإذا كان الاتحاد سيمثل السوق العقاري أمام الدوله، فمن يضمن أن يكون ممثلاً للسوق كله لا ممثلاً لأصحاب النفوذ داخله؟
هذه ليست مخاوف نظريه، بل دروس تعلمناها من تجارب اقتصاديه سابقه دفعت فيها الدوله والسوق والمستهلكون أثماناً باهظة نتيجة غياب الشفافيه وتضارب المصالح.
ولهذا فإن نجاح الاتحاد يجب أن يقاس منذ يومه الأول بثلاثة معايير فقط:
أولاً: الشفافيه الكامله. يجب أن تكون كل الانتخابات والقرارات والتصنيفات والتقارير الماليه معلنه للرأي العام ولأعضاء الاتحاد، لأن الغرف المغلقه كانت دائماً البيئة المثاليه لتكوين مراكز النفوذ.
ثانياً: التمثيل العادل. لا يجوز أن يتحول مجلس إدارة الاتحاد إلى مجلس لكبار المطورين فقط. فالشركات الصغيره والمتوسطه ليست هامشاً في السوق العقاري، بل هي جزء رئيسي من هيكله الإنتاجي والتشغيلي.
ثالثاً: الرقابه المستقله. الاتحاد لا يمكن أن يكون الخصم والحكم في الوقت نفسه. ولذلك فإن وجود رقابه مستقله وإشراف حكومي واضح وآليات تظلم فعاله ليس رفاهيه تشريعيه، بل ضروره لحماية مصداقية الكيان منذ تأسيسه.
إن مصر أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج جديد للحوكمه الاقتصاديه. نموذج يثبت أن التنظيم لا يعني الاحتكار، وأن حماية السوق لا تعني حماية الأقوياء، وأن التنمية لا تتحقق بإقصاء الصغار وإنما بخلق بيئه تنافسيه عادله للجميع.
وإذا نجحت الدوله في ترسيخ هذه المبادئ داخل الاتحاد المصري للمطورين العقاريين، فإنها لن تكون قد أنشأت اتحاداً جديداً فحسب، بل ستكون قد أرست نموذجاً مؤسسياً يمكن تعميمه على قطاعات اقتصاديه أخرى.
أما إذا تُركت الأمور لموازين النفوذ والمصالح، فإن الاتحاد سيتحول إلى كيان شكلي جديد يضاف إلى قائمة طويلة من المؤسسات التي أُنشئت لتنظيم الأسواق ثم انتهى بها الأمر إلى إدارة الاحتكار بصوره أكثر أناقه.
وعندها لن تكون المشكلة في الاتحاد ذاته، بل في الفرصه التي ضاعت على الدوله والسوق والمواطن معاً.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على تأسيس الاتحاد، بل على تحصينه. فالمؤسسات لا تسقط يوم إنشائها، وإنما تسقط عندما تُختطف. وما يحتاجه السوق العقاري المصري الآن ليس اتحاداً للمطورين فقط، بل اتحاداً محصناً ضد النفوذ، ومحمياً بالشفافيه، وخاضعاً للمساءله، ومنحازاً لمصلحة الاقتصاد الوطني قبل أي مصلحة أخرى. :::