رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اﻟﺘﺠﺎر اﻟﺘﻬﻤﻮﻫﺎ ﻣﻘﺪﻣﺎً

الألف جنيه «الملعونة»

بوابة الوفد الإلكترونية

اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ أﻗﺮت اﻟﺰﻳﺎدة ﻓﻰ ﻣﺎرس وﺗﻄﺒﻘﻬﺎ ﺧﻼل ﻳﻮﻟﻴﻮ.. واﻟﺒﺎﺋﻌﻮن «ﻗﺒﻀﻮﻫﺎ» ﻣﺒﻜﺮاً

ﻣﻮاﻃﻨﻮن:أﺳﻌﺎر اﻟﺨﻀﺮاوات واﻟﻠﺤﻮم واﻟﻔﻮاﻛﻪ واﻟﻤﻮاﺻﻼت ارﺗﻔﻌﺖ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺮﺗﺒﺎت

«أم محمد»: بقينا نخاف من الزيادة.. و«عم سيد»: مش مهم المرتب زاد كام.. المهم هيشترى إيه؟

 

لم يكد ملايين الموظفين فى مصر يلتقطون أنفاسهم فرحاً بإعلان الحكومة زيادة الحد الأدنى للأجور بقيمة 1000 جنيه شهرياً، ضمن حزمة الحماية الاجتماعية التى أقرت فى مارس الماضى، حتى بدأت الأسواق فى إرسال رسائل مختلفة تماماً.. فبينما كان المواطنون يحسبون ما يمكن أن تضيفه الزيادة الجديدة إلى ميزانياتهم المنهكة، كانت أسعار السلع والخدمات تتحرك فى الاتجاه المعاكس، وكأنها تسابق القرار قبل دخوله حيز التنفيذ.
منذ اللحظة الأولى للإعلان عن الزيادة المرتقبة، شهدت الأسواق المصرية موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، طالت السلع الغذائية الأساسية والخضراوات والفاكهة واللحوم والدواجن، وصولاً إلى الخدمات اليومية والدروس الخصوصية والمطاعم والعيادات الخاصة.. ففى الوقت الذى تبرر بعض القطاعات هذه الزيادات بارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، يرى مواطنون أن جزءاً كبيراً منها جاء استباقياً، استناداً إلى توقعات بزيادة دخول الأسر المصرية خلال الأشهر المقبلة.
وفى الوقت الذى تستعد فيه الدولة لتطبيق الزيادة رسمياً اعتباراً من يوليو المقبل، تتصاعد مخاوف واسعة من أن تفقد تلك الألف جنيه أكثر مما فقدت قبل دخولها جيوب المستفيدين، فالتجارب السابقة تشير إلى أن أى زيادة فى الأجور كثيراً ما تتبعها موجات تضخمية تلتهم آثارها الإيجابية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه الزيادة على تحسين مستوى المعيشة، وحول المستفيد الحقيقى منها فى ظل سوق لا يتوقف عن إعادة تسعير كل شىء.
«الوفد»، ترصد رحلة الأسعار منذ الإعلان عن القرار الحكومى وحتى اقتراب موعد تطبيقه، وتستكشف آراء المواطنين والخبراء والتجار، ويحلل ما إذا كانت «الألف جنيه» ستنجح فى تخفيف الأعباء المعيشية عن ملايين الأسر المصرية، أم أنها ستتحول إلى مجرد رقم جديد فى كشوف الرواتب، تبتلعه موجات الغلاء المتلاحقة قبل أن يشعر المواطن بثمارها.

الأسعار التهمت الزيادة
فى أحد شوارع القاهرة الشعبية، وقفت أم محمد أمام عربة خضراوات صغيرة تتفحص أسعار الطماطم والبطاطس بعينين يملؤهما القلق. سألت البائع عن سعر كيلو الطماطم، فأجاب: «60 جنيهاً». هزت رأسها فى صمت ثم ابتعدت.
لم تكن أم محمد تعرف شيئاً عن مؤشرات التضخم أو السياسات النقدية أو موازنات الدولة، لكنها كانت تعرف شيئاً واحداً فقط؛ أن الحكومة أعلنت قبل أشهر زيادة قدرها ألف جنيه على الحد الأدنى للأجور، وأن الأسعار منذ ذلك اليوم لم تتوقف عن الصعود.
تقول السيدة الخمسينية: «كل مرة يقولوا زيادة للمرتبات نفرح يومين، وبعدها نلاقى الأسعار سبقت الزيادة بأشواط».
هكذا تحولت «الألف جنيه» التى كان يفترض أن تخفف أعباء ملايين الأسر المصرية إلى مصدر جديد للمخاوف، بعدما تسابقت الأسواق إلى رفع الأسعار حتى قبل بدء صرف الزيادة المقررة فى يوليو المقبل.

تضخم توقعى
فى مارس الماضى أعلنت الحكومة حزمة اجتماعية جديدة تضمنت رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة المعاشات بنحو ألف جنيه شهرياً، فى خطوة استهدفت دعم الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة.
القرار فى جوهره كان يحمل بعداً اجتماعياً مهماً، خصوصاً مع استمرار الضغوط الاقتصادية التى واجهتها الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة.. لكن الأسواق قرأت القرار بطريقة مختلفة.
فبمجرد الإعلان عن الزيادة، قام العديد من التجار والمنتجين ومقدمى الخدمات بإعادة تسعير منتجاتهم بصورة استباقية، ويصف خبراء الاقتصاد هذه الظاهرة بـ«التضخم التوقعى»، حيث ترتفع الأسعار بناء على توقعات مستقبلية وليس نتيجة زيادة فعلية فى الطلب أو التكلفة.
فمنذ الإعلان عن الحزمة الاجتماعية، بدأت الأسعار ترتفع فى كل مكان، ففى سوق الخضراوات ارتفعت أسعار الطماطم خلال فترات متتالية لتتراوح فى بعض المناطق بين 35 و60 جنيهاً للكيلو، بينما تجاوز الليمون فى بعض الأوقات حاجز 100 جنيه للكيلو، كما شهدت بعض أصناف الفاكهة زيادات متفاوتة، خاصة الأصناف المستوردة أو المرتبطة بتكاليف النقل والتخزين، أما اللحوم الحمراء، فقد واصلت التحرك عند مستويات مرتفعة تراوحت بين 400 و500 جنيه للكيلو حسب النوع والمنطقة.
وفى قطاع الدواجن، تذبذبت الأسعار بين الارتفاع والانخفاض، لكنها ظلت عند مستويات أعلى مقارنة بالفترات السابقة.
ولم تتوقف الزيادات عند الغذاء فقط فأسعار الدروس الخصوصية ارتفعت بصورة ملحوظة استعداداً للعام الدراسى الجديد، كما شهدت خدمات الصيانة والنقل والعيادات الطبية والمطاعم زيادات متتالية خلال الأشهر الماضية.
يقول أحمد حسن، موظف حكومى وأب لثلاثة أبناء: «الزيادة لسه ما نزلتش، لكن صاحب السوبر ماركت رفع الأسعار مرتين، والمدرس رفع سعر الحصة، وحتى السباك والكهربائى زودوا أجورهم».

المواطن بين فرحة القرار وصدمة السوق
عندما أعلن القرار، شعر كثير من الموظفين وأصحاب المعاشات بأن هناك متنفساً قادماً بعد فترة من الضغوط، لكن هذه الفرحة سرعان ما اصطدمت بحقيقة الأسواق، فى حى شبرا بالقاهرة، يجلس عم سيد، وهو موظف على وشك التقاعد، أمام دفتر صغير يدون فيه مصروفات منزله، يقول الرجل الخمسينى: «كنت متخيل إن الألف جنيه هتفرق معايا، لكن دلوقتى حاسس إنها اتصرفت قبل ما أخدها»، ويضيف: «فاتورة الأكل زادت، وفاتورة الكهرباء زادت، والمواصلات بقت أغلى، وكل حاجة تقريباً اتحركت».
هذا الشعور لا يقتصر على الموظفين فقط، بل يمتد إلى أصحاب المعاشات الذين كانوا ينتظرون الزيادة لتحسين مستوى معيشتهم، ويرى اقتصاديون أن السبب الرئيسى يعود إلى ما يعرف بـ«سلوك التسعير الاستباقى»، فالتاجر أو المنتج عندما يسمع أن ملايين المواطنين سيحصلون على دخول إضافية، يبدأ فى رفع الأسعار تدريجياً تحسباً لزيادة الطلب.
كما تلعب العوامل النفسية دوراً كبيراً، فمجرد انتشار أخبار الزيادات يدفع بعض المتعاملين فى السوق إلى توقع موجة تضخم جديدة، فيتصرفون على أساس هذه التوقعات، ويضاف إلى ذلك استمرار ارتفاع بعض عناصر التكلفة مثل النقل والطاقة والمواد الخام وأجور العمالة، وبالتالى تصبح الزيادة الحكومية أحد العوامل ضمن منظومة أوسع من الضغوط السعرية.

الأسواق لا تنتظر يوليو
اللافت أن كثيراً من التجار لم ينتظروا بدء تطبيق الزيادة فى يوليو، ففى العديد من الأسواق بدأت إعادة تسعير السلع منذ مارس وأبريل، ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة أصبحت متكررة فى الاقتصاد المصرى خلال السنوات الأخيرة، فكلما تم الإعلان عن زيادات فى الأجور أو المعاشات، تتحرك الأسعار سريعاً قبل وصول الأموال الجديدة إلى المستهلكين، ويؤدى ذلك إلى تآكل جزء كبير من القيمة الحقيقية للزيادة.
على الورق تبدو زيادة ألف جنيه رقماً مهماً، لكن عند ترجمتها إلى احتياجات يومية، تبدو الصورة مختلفة، فأسرة مكونة من خمسة أفراد قد تنفق شهرياً ما بين 10 و15 ألف جنيه على الغذاء فقط، وإذا ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة تتراوح بين 10 و15% خلال عدة أشهر، فإن جزءاً كبيراً من الزيادة يتبخر تلقائياً، وفى حالة الأسر التى تعتمد على معاش أو راتب واحد، يصبح تأثير الزيادة أكثر محدودية.
يقول أحد الخبراء الاقتصاديين إن «القيمة الحقيقية لأى زيادة لا تقاس بالرقم المعلن، وإنما بقدرتها على شراء السلع والخدمات بعد تطبيقها» 
فالسؤال الذى يشغل ملايين المصريين حالياً هو: ماذا سيحدث بعد بدء صرف الزيادة فعلياً؟.. العديد من الخبراء لا يستبعدون حدوث موجة جديدة من الارتفاعات السعرية.. فالسيولة الإضافية التى ستدخل إلى الأسواق قد تدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار مجدداً، خصوصاً فى القطاعات التى تعتمد على الطلب المحلى بشكل أساسى.
وتشمل هذه القطاعات: «المواد الغذائية، المطاعم، والمقاهى، الملابس، الدروس الخصوصية، الخدمات الطبية، النقل الداخلى، كما يتوقع بعض المحللين أن تشهد الأسواق زيادات تدريجية خلال الربع الثالث من العام مع بدء ظهور أثر الزيادة على القوة الشرائية للمواطنين.

مَن المستفيد الحقيقى؟
بينما ينتظر الموظفون الألف جنيه بفارغ الصبر، وينتظر أصحاب المعاشات نسبة الـ15% المقررة يطرح البعض سؤالاً مهماً: من المستفيد الحقيقى من الزيادة؟
فإذا ارتفعت الأسعار بمعدلات تلتهم الجزء الأكبر من الزيادة، فإن المستفيد الأكبر قد يكون حلقات الوساطة والتجارة وبعض مقدمى الخدمات الذين يرفعون أسعارهم استناداً إلى توقعات السوق، وفى المقابل يجد المواطن نفسه فى دائرة مفرغة؛ يحصل على زيادة فى دخله، ثم يفقد جزءاً كبيراً منها بسبب التضخم.

شهادات من الشارع
فى أحد المخابز الخاصة، يقول صاحب المخبز إن أسعار الدقيق والخامات والنقل دفعت الكثير من أصحاب الأنشطة إلى تعديل الأسعار، ويضيف: «الناس فاكرة إن التجار بيزودوا من غير سبب، لكن التكلفة نفسها بقت أعلى».
أما ربة المنزل منى عبدالعال فتقول إن المشكلة ليست فى زيادة سعر سلعة بعينها، وإنما فى ارتفاع أسعار كل شىء، وتضيف: «لما الزيت والسكر والجبنة والخضار والمواصلات يزيدون فى نفس الوقت، الألف جنيه مش هنحس بيهم».

التحدى الحقيقي
يرى متخصصون أن التحدى الحقيقى أمام الحكومة لا يكمن فقط فى زيادة الأجور والمعاشات، وإنما فى الحفاظ على القوة الشرائية لهذه الزيادات، فالهدف النهائى من أى حزمة اجتماعية هو تحسين مستوى المعيشة، وليس مجرد رفع الأرقام المسجلة على الورق، ويتطلب ذلك تشديد الرقابة على الأسواق، وزيادة المعروض من السلع الأساسية، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، والتوسع فى المنافذ الحكومية التى تقدم السلع بأسعار مخفضة، كما أن استقرار أسعار الصرف وتراجع معدلات التضخم يظلان عاملين حاسمين فى نجاح أى سياسة لزيادة الدخول.
قبل أسابيع من موعد التطبيق الرسمى للزيادة، تبدو الصورة معقدة، فالمواطن ما زال ينتظر دخلاً إضافياً قد يساعده على مواجهة أعباء الحياة، بينما تواصل الأسواق إرسال إشارات مقلقة بشأن موجات جديدة من ارتفاع الأسعار.
الخبير الاقتصادى الدكتور حسام الغايش يرى أن هناك عدة سيناريوهات اقتصادية محتملة بعد صرف الزيادة. السيناريو الأول هو أن ترتفع الأسعار بنسبة أقل من نسبة الزيادة، مما يحقق فائدة حقيقية للمواطنين. هذا السيناريو يتطلب وجود سياسات اقتصادية فعالة لاحتواء التضخم وضمان استقرار الأسعار.
والثانى هو أن ترتفع الأسعار بنسبة تعادل نسبة الزيادة، ما يعنى عدم وجود فائدة حقيقية. وفى هذا الحالة، الزيادة تكون اسمية فقط ولا تحقق تحسيناً فى المعيشة.
أما السيناريو الثالث فهو أن ترتفع الأسعار بنسبة أعلى من نسبة الزيادة، مما يعنى فقدان جزء من الزيادة وتحسن المعيشة بشكل سلبى. هذا السيناريو هو الأكثر خطراً، ويؤدى إلى تراجع فى القوة الشرائية الفعلية.
وأضاف أن المواطن المصرى يحتاج إلى زيادة فى الدخل الحقيقى، وليس فقط فى الدخل الاسمى. وهذا يتطلب تحقيق توازن بين ارتفاع الأجور وارتفاع الأسعار، مع سياسات اقتصادية فعالة لاستقرار الأسعار. بدون هذا التوازن، تبقى الزيادة اسمية فقط ولا تحقق الهدف المنشود فى تحسين المعيشة. مؤكدا أن الزيادة تمثل فرصة محتملة لتحسين المعيشة، لكن نجاحها يعتمد على عدة السياسات الحكومية فعالة.