الزاد
قبل أن نختلف أو نتفق مع محمد أبو تريكة، علينا أن نسأل سؤالًا بسيطًا: متى كان كأس العالم بلا أغنيات أو احتفالات فنية؟ ومتى كانت البطولة مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم لا يحيط بها أي مشهد ثقافي أو فني؟ الحقيقة أن تاريخ المونديال يجيب بنفسه. فمنذ عقود طويلة ارتبطت البطولة بالأغنية الرسمية، وحفلات الافتتاح والختام، ونجوم الفن العالميين الذين كانوا جزءًا من الصورة الكبرى للحدث الرياضي الأكثر مشاهدة على وجه الأرض. لذلك بدا الحديث عن أن جياني إنفانتينو هو من أدخل الأغاني والاستعراضات إلى كأس العالم وكأنه تجاهل لذاكرة كاملة عاشتها أجيال من عشاق الكرة حول العالم.
لذلك أثار تصريح النجم المصري محمد أبو تريكة، الذي انتقد فيه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو معتبرًا أنه "حوّل كأس العالم إلى أغانٍ واستعراضات"، حالة من الجدل الواسع. ليس لأن الجماهير تختلف على مكانة أبو تريكة كلاعب كبير وأحد أبرز نجوم الكرة المصرية والعربية، وإنما لأن هذا التصريح بدا بعيدًا عن حقيقة تاريخ البطولة التي عرفها العالم وعاش تفاصيلها لعقود طويلة.
فمنذ أن عرفنا كأس العالم عبر شاشات التلفزيون، لم تكن البطولة مجرد مباريات تُقام داخل المستطيل الأخضر، بل كانت دائمًا حدثًا عالميًا يجمع بين الرياضة والثقافة والفن. الافتتاحات الغنائية والاستعراضات الفنية ليست اختراعًا حديثًا جاء به إنفانتينو، بل جزء أصيل من هوية المونديال منذ سنوات طويلة.
من منا لا يتذكر مونديال 1990 في إيطاليا وأغنية "Un'estate Italiana" التي أصبحت جزءًا من ذاكرة كرة القدم؟ ومن ينسى الأغنيات الرسمية التي صاحبت بطولات 1994 و1998 و2002 و2006 و2010 و2014 و2018 و2022؟ على مدار هذه النسخ وغيرها، كانت الموسيقى حاضرة إلى جوار كرة القدم، ولم يرَ أحد في ذلك انتقاصًا من قيمة البطولة أو من مكانة اللعبة.
بل إن كبار نجوم الغناء ارتبطوا بكأس العالم عبر عقود طويلة. فقد شارك النجم العالمي ليونيل ريتشي في فعاليات مونديال 1994 بالولايات المتحدة، بينما أصبحت شاكيرا الاسم الأكثر ارتباطًا بالمونديال في العصر الحديث. ففي ألمانيا 2006 حضرت بأغنية "Hips Don't Lie" بنسختها المرتبطة بالبطولة، ثم قدمت الأغنية الرسمية لكأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا "Waka Waka" التي تحولت إلى واحدة من أشهر الأغنيات الرياضية في التاريخ، وعادت في البرازيل 2014 بأغنية "La La La"، قبل أن تسجل حضورها مجددًا في مونديال 2026 بأغنية "Dai Dai"، لتصبح الفنانة الأكثر ارتباطًا بالحدث الكروي الأكبر في العالم.
كما شهدت نسخ مختلفة من البطولة مشاركة أسماء فنية عالمية عديدة في حفلات الافتتاح والختام، وهو ما يؤكد أن الفن لم يكن يومًا عنصرًا دخيلًا على كأس العالم، بل كان شريكًا دائمًا في صناعة الصورة الاحتفالية للبطولة.
أما في النسخة الحالية، فإن افتتاح البطولة بعروض فنية وأغانٍ شعبية، ثم ظهور المطرب العالمي أندريا بوتشيلي في الاحتفالات، لا يمكن اعتباره خروجًا عن تقاليد المونديال أو تغييرًا لهويته، بل امتدادًا لمسار طويل اعتادت عليه جماهير الكرة في مختلف أنحاء العالم.
ولعل وجود بوتشيلى هو أجمل أهداف البطولة، و أجمل مشاهد مشاهدها.
أندريا بوتشيلي، ذلك الصوت الاستثنائي الذي تجاوز حدود اللغة والجغرافيا ليصبح واحدًا من أكثر الأصوات احترامًا وتأثيرًا في العالم. فظهوره لم يكن مجرد فقرة فنية عابرة، بل لحظة إنسانية وثقافية راقية انتظرها الملايين في الشرق والغرب على حد سواء. بوتشيلي ليس مغنيا عاديًا، بل أحد أبرز رموز الموسيقى العالمية المعاصرة، وصوتًا براقًا استطاع أن يجمع عشاق الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية والجماهير العادية حول العالم. لذلك يمكن القول إن وجوده في احتفالات البطولة كان بالنسبة لكثيرين أحد أجمل "أهداف" المونديال خارج المستطيل الأخضر، لأنه أعاد التأكيد على أن كأس العالم ليس فقط مناسبة للتنافس الرياضي، بل أيضًا نافذة تلتقي من خلالها الشعوب مع أجمل ما أنتجته الثقافة والفنون الإنسانية.
صحيح أن هناك من يختلف مع بعض قرارات الفيفا المتعلقة بنظام البطولة أو عدد المنتخبات المشاركة أو الجوانب التنظيمية المختلفة، وهذه أمور قابلة للنقاش والجدل، لكن ربط ذلك بالأغاني والاستعراضات لا يبدو منصفًا. فالأغنية لم تأتِ مع إنفانتينو، ولم تكن يومًا سببًا في نجاح البطولة أو تراجعها.
الحقيقة أن الجماهير تأتي من أجل كرة القدم أولًا وأخيرًا، لكنها لا تمانع في مشاهدة عرض فني يعكس ثقافة البلد المستضيف ويمنح الحدث أبعادًا إنسانية وثقافية أوسع. فالمونديال ليس مجرد بطولة رياضية، بل مناسبة عالمية تحتفي بالشعوب وثقافاتها أمام مليارات المشاهدين.
ولعل الأهم أن تاريخ كأس العالم نفسه يكذب فكرة أن البطولة كانت يومًا "كرة قدم فقط". فمنذ عقود طويلة كان هناك افتتاح فني، وأغنية رسمية، ونجوم غناء عالميون يشاركون في الاحتفال الأكبر على كوكب الأرض. الجديد ليس وجود الفن، بل حجم التغطية الإعلامية الهائل الذي جعل كل تفصيلة أكثر حضورًا وانتشارًا.
لذلك بدا تصريح أبو تريكة غير موفق، ولم يكن انفعاله مبرر، لأن الاعتراض على بعض سياسات الفيفا حق مشروع، لكن فى حدود.أما تحميل الأغاني والاستعراضات مسؤولية ما يحدث للبطولة فهو أمر لا تسنده الوقائع ولا ذاكرة الجماهير التي عاشت كأس العالم جيلاً بعد جيل.
فالملعب سيظل دائمًا البطل الحقيقي للمونديال، وستظل المنافسة داخل المستطيل الأخضر هي جوهر الحدث، لكن الأغنية كانت وستبقى جزءًا من المشهد، تضيف إلى الصورة ولا تنتقص منها. وإذا كانت الجماهير تحتفظ في ذاكرتها بالأهداف الخالدة واللحظات الكروية الكبرى، فإنها تتذكر أيضًا الأصوات التي صاحبت تلك اللحظات، ومن بينها صوت أندريا بوتشيلي الذي أضاء البطولة بقدر ما أضاءتها أهداف النجوم فوق العشب الأخضر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض