كتب الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء الأسبق، عن السكرتير العام للأمم المتحدة فى تصريح له عام 2018 متحدثاً عن أزمة ومرض جديد يعانى منه العالم الحديث، ألا وهو «فقدان الثقة».. مثل فقدان الذاكرة أو البصر أو البصيرة.. أزمة فقدان الثقة تلك تعنى أن العالم أجمع بالرغم من حداثته وتطوره ومؤسساته الدولية وتقنياته الجديدة ضاعت منه الثقة والشعور بالأمان والصدق.. وتفاقمت الأزمة وتضخم المرض وظهر العرض مع الذكاء الاصطناعى وحرب غزة ووجود رئيس فاقر للعقل والمنطق والحكمة يحرك العالم كيفا يشاء.. العالم على وشك الانهيار الخلقى والاقتصادى والاجتماعى وما نعانيه فى الوطن هو بعض انعكاس لمنظومة عالمية كاذبة ومخادعة ظهر فيها رؤساء وأمراء ورجال مال وأعمال وهم يقومون بأفظع وأبشع الأفعال فى القضية الأمريكية الشهيرة لأبستين، ومع هذا مستمرون فى مناصبهم وأماكنهم محتفظون بألقابهم وممتلكاتهم وقوتهم وسطوتهم.. هل بعد ما جرى من إبادة ومذابح فى فلسطين وغزة وعجزت جميع المنظمات الدولية والعربية والإسلامية عن وقف نزيف الدماء وأجيج الحرائق والدمار، يشعر أى إنسان على سطح الكرة الأرضية بالأمان والثقة فى المجتمع الدولى؟
هل ما نتابعه من تصريحات مجنونة متهورة وطائشة لرئيس الدولة العظمى عن محو حضارة من الوجود فى بلاد فارس فى القرن الحادى والعشرين يدفع البشر للحياة والاستقرار ويمنحهم الطمأنينة فى الغد المجهول؟
هل كل هذا لا ينعكس أثره وتأثيره على مجتمعنا ولغتنا وسلوكنا وثقافتنا وتعليمنا؟ كل الصور والرؤى والوجوه شاهت وتشابهت فى مظهرها وإن خفى عنا حقيقة مخبرها وجوهرها؟ الغش والفساد والنفاق والحياة المزدوجة فى كل مناحى الحياة.. تعليم مجانى وهو فى الواقع دروس ومجموعات خاصة.. جودة تعليم وهى مجرد أوراق منظمة بحرفية.. اختبارات وامتحانات والنتيجة غش وخريج يعمل على موتوسيكل دليفرى أو عامل نظافة أو فرد أمن.. نواب فى المجلس النيابى للشعب يدافعون عن التاجر والاحتكار ويصوتون للكل ما هو ضد المواطن إلا من رحم ربى. فنانين يتجملون ويتأنقون ويتباهون بالمال والثراء وهم لا يقدمون إلا الغث والردئ إلا فيما ندر، وقد يتاجرون فى أنشطة ممنوعة ويستخدمون بلطجية يسمونهم أمن خاص.. مسئولون فاسدون ينهون ويأمرون ونسمع ونطيع حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود وتقرر الجهات الرقابية فضحهم وكشفهم ومعاقبتهم.
شبكات تواصل اجتماعى تستخدم التكنولوجيا الحديثة فيختلط الحابل بالنابل والصح والخطأ.. ومنظمات تدعى أنها حقوقية وهى ممولة من الخارج لهدم أركان المجتمع وإفساد الأسرة وتفكيك الروابط الاجتماعية، وفرض قوانين وأعراف غربية وشاذة علينا.. لاجئين لجأوا لأرضنا واحتموا بسمائنا وسكنوا بيوتنا وقاسمونا رزقنا وأكلنا وشربنا، ثم بغوا وتجبروا وتطاولوا وهددوا حياتنا ووجودنا.. والصمت المرير مازال مسارياً.
أزمة الثقة هى مرض عضال يجعلنا لا نبصر الحقيقة ولا يراودنا إلا الشك والريبة والخوف.. كيف يستمر المجتمع فى هذه الأزمة؟ وكيف العلاج من هذا المرض العضال؟
الشفافية.. والأخلاق.. والضمير.. ثلاثة مفاتيح لأبواب الثقة، وثلاثة علاجات ثانية لمرض الشك والريبة.. الشفافية أكبر من الصدق والأخلاق معيار الإنسانية والضمير هو الحسيب والرقيب، وهو التقوى التى لا تحتاج إلى قانون أو فرد أمن أو مراقب.
الطريق إلى تلك المفاتيح يبدأ من الأسرة السليمة المتماسكة، والمدرسة الصحيحة التى بها تعليم ومعلم وتربية وأنشطة ودين وأخلاق وثواب وعقاب وقدوة، ثم الإعلام والثقافة.. والسياسة والاقتصاد.. حين يكون الجميع مسئول ومراقب وصادق وأمين.. لا ينافق من أجل منصب أو جاه أو مال أو ترقية أو حتى خوف.. الطريق إلى الثقة أشبه بالطريق إلى الغول والعنقاء والخل الوفى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض