مجدي سلامة يكتب: كواليس خطاب التنحي من حبر "هيكل" إلى دموع "عبد الناصر"
في الرابعة والنصف عصر اليوم 9 يونيو تحل الذكرى الـ 59 لخطاب التنحي عن حكم مصر.. وهو الخطاب الأكثر شهرة في التاريخ العربي المعاصر ، وقد قيلت وكُتبت عنه شهادات تاريخية وتحليلات سياسية متنوعة ركزت على كواليس صياغته وردود الأفعال الصادمة التي صاحبت إذاعته
الخطاب ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر معلنا فيه التنحي عن حكم مصر عقب الهزيمة العسكرية في حرب يونيو ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطاب التنحي الشهير
وكشف الكاتب محمد حسنين هيكل (الذي كلفه عبد الناصر بصياغة الخطاب) أن الرئيس رفض جملة "فإنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية"، وصمم على تعديلها ليتحمل المسؤولية كاملة عن الهزيمة العسكرية العنيفة
وكان عبد الناصر ينوي في البداية إسناد الحكم لوزير الحربية الأسبق شمس بدران، لكن هيكل اعترض لكونه يمثل أحد وجوه الهزيمة، فاقترح اسم زكريا محيي الدين وتم التعديل في النص بناءً على ذلك.
أشار محللون إلى أن الخطاب رغم بلاغته وجزالته وتذكيره بإنجازات الثورة، لم يتضمن كلمة "الديمقراطية" ولو لمرة واحدة كنقد ذاتي أو وعد للمستقبل.
و روى هيكل أن سكرتير الرئيس للمعلومات، سامي شرف، انهار عند قراءة النص وقال منفعلًا: "هذا مستحيل.. إنها مصيبة لا تقل عن المصيبة العسكرية".
أما الموظف المكلف بكتابة البيان على الآلة الكاتبة (عبد الرحمن سالم) انهمرت دموعه ورفض في البداية استكمال عمله من شدة الصدمة
تفاجأ زكريا محيي الدين باختياره رئيساً، وكانت أولى كلماته لهيكل بعد سماع الخطاب: "ما الذي فعلناه به؟ وهل هذا معقول؟".
وصفت الصحافة والتقارير التاريخية وقع الكلمات على الجمهور بـ "الصاعقة التي هزت القلوب"، وخرجت على إثرها ملايين الجماهير عفوياً إلى الشوارع ترفض مغادرة القائد للميدان
انقسم المفكرون والمحللون عبر العقود؛ حيث رأى فريق أن الخطاب ينم عن شجاعة وإحساس رفيع بالمسؤولية من عبد الناصر، بينما اعتبره معارضون ومنتقدون "مسرحية سياسية محبكة" تهدف لامتصاص غضب الشارع وتجديد الشرعية للتنصل من عواقب الهزيمة
ويتراوح عدد كلمات نص خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر بين 1000 إلى 1200 كلمة تقريباً في صياغته الكاملة المكتوبة، واستغرق إلقاءه حوالي 18 دقيقة، حيث تضمن استعراضاً تفصيلياً للأوضاع العسكرية والسياسية التي سبقت الأزمة، وصولاً إلى إعلان قرار التنحي الشهير في ختامه
ولم يتم تسجيل خطاب التنحي مسبقا، بل ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر على الهواء مباشرة ومع ذلك، مرت صياغة الخطاب وإعداده بفترة زمنية حرجة ومكثفة استغرقت حوالي 20 ساعة خلف الكواليس، بدأت مساء الخميس 8 يونيو (الساعة 8:30 مساءً)، با اتصال عبد الناصر بالكاتب محمد حسنين هيكل وأبلغه بقرار التنحي، وكلفه ببدء صياغة مسودة الخطاب، واستمر هيكل طوال ليل الخميس وحتى فجر الجمعة في كتابة وتعديل مسودات الخطاب في مكتبه بمبني جريدة الأهرام
وفي صباح الجمعة 9 يونيو (الساعة 6:45 صباحاً): وصل هيكل إلى منزل عبد الناصر ومعه المسودة المكتوبة لبدء مراجعتها وتعديلها مع الرئيس.، وفي الظهيرة تم الاستقرار على النص النهائي، وتحويله إلى سكرتير الرئيس سامي شرف لنسخه على الآلة الكاتبة، وفي تمام (الساعة 4:30 مساءً): ألقى عبد الناصر الخطاب مباشرة عبر التلفزيون والإذاعة المصرية من استوديو جهز خصيصاً في بيت الرئيس بـ "منشية البكري" وليس من مبنى ماسبيرو، ولم يكن أحدا في ماسبيرو يعلم بما سيقوله الرئيس عبدالناصر، فكل ما قيل لهم إن الرئيس سيلقي بيانا رئاسيا
ومن أبرز أبرز العبارات المؤثرة التي وردت في الخطاب :

- أيها الإخوة:
لقد تعودنا معاً فى أوقات النصر وفى أوقات المحنة.. فى الساعات الحلوة وفى الساعات المرة؛ أن نجلس معاً، وأن نتحدث بقلوب مفتوحة، وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائماً أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ومهما كان الضوء خافتاً.
- إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر.
- "لقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: إنني قررت أن أتنحى تماماً وبشكل نهائي عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر"
- "إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها.. ولتحمل المسؤولية بأكملها".
- "إننا لا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة في الأيام الأخيرة". (وهنا استُخدمت كلمة "نكسة" تاريخياً لأول مرة لوصف ما جرى).
- "لقد كانت الصدمة قاسية، ولكنني على يقين من أننا جميعاً سوف نتجاوز هذه الأزمة، بل وسوف نخرج منها بدروس وعبر لا تُنسى"
- تغليب مصلحة الوطن على الأشخاص"إن الثورة ليست حكراً على جيل واحد، والمناصب ليست ملكاً لأفراد.. إن مصير الوطن أكبر من أي شخص، وبقاء الوطن أثمن من أي قيادة"
- "إنني أضع كل ما عندي تحت تصرف الشعب، وفي خدمة الأمة، حتى آخر قطرة في دمي".

- إن هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأية أنانيات أو مشاعر فردية. إن قلبى كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معى، وليكن الله معنا جميعاً؛ أملاً فى قلوبنا وضياءً وهدى.
وأكد الرئيس جمال عبد الناصر في مناسبات لاحقة أن خطاب تنحيه كان قراراً حقيقياً ونهائياً بنسبة 100%، وليس مناورة سياسية لامتصاص الغضب، مدفوعاً بمسؤولية أدبية وتاريخية عقب هزيمة 1967. كما أوضح أن خروج الجماهير كان إرادة شعبية أُجبر على الامتثال لها، معتبراً الخطاب تضحية بالذات لحماية الثورة، والتي أعادت صياغة الروح المعنوية للشعب والجيش لاحقا
والمعروف أن الرئيس جمال عبد الناصر تراجع رسميا عن قرار التنحي في ظهر يوم السبت 10 يونيو 1967، وذلك بعد أقل من 24 ساعة فقط من إلقاء خطاب التنحي،وجاء هذا التراجع عبر بيان رسمي مكتوب وجّهه عبد الناصر إلى الشعب المصري وأذاعه رئيس مجلس الأمة (البرلمان) آنذاك، أنور السادات، وجاءت كواليس هذا التراجع في النقاط التالية:
وأعلن عبد الناصر في هذا البيان أنه ينزل على إرادة الشعب المصرى والعربي، ويقرر البقاء في منصبه حتى إزالة آثار العدوان تماماً.. وقيل إن عبدالناصر بكي عندما شاهد مظاهرات المصريين تطالبه بالعودة للحكم ، وقال: كنت منتظر أن يضربنا المصريين بالجزم بعد الهزيمة، وذلك في سياق تعبيره العفوي عن شدة صدمته من الموقف الشعبي المؤيد له والمتمسك بوجوده في السلطة رغم فداحة الهزيمة العسكرية العنيفة في حرب يونيو1967
و أكد عبد الناصر في خطاباته التالية أن خروج الملايين إلى الشوارع ليلة 9 و10 يونيو هو الذي أجبره على العودة، ووصف تلك الجماهير بأنها "المعلم والسند"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض