ايمان الجندي
في السنوات الأخيرة لم تعد معركة وزارات الصحة مقتصرة على مواجهة الأمراض والأوبئة فقط، بل امتدت إلى ساحة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة، هي ساحة مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول بعض النصائح والوصفات غير الموثقة إلى حقائق مطلقة في نظر آلاف المتابعين، ويتحول أصحابها إلى مرجعيات تفوق في تأثيرها أحيانًا رأي الطبيب المختص.
من هنا يمكن فهم التحذير الذي أصدرته وزارة الصحة السعودية بشأن ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، وهو تحذير لا يتعلق بنظام غذائي بعينه بقدر ما يعكس قلقًا متزايدًا من ظاهرة أخطر؛ وهي إقناع المرضى بأن الغذاء وحده قادر على علاج الأمراض المزمنة، أو أن بإمكانهم الاستغناء عن الأدوية الموصوفة طبيًا مقابل اتباع وصفات يتم تداولها عبر الإنترنت.
اللافت أن الوزارة لم تستند في موقفها إلى خلاف نظري حول مكونات النظام الغذائي، بل تحدثت عن حالات واقعية انتهى بها الأمر إلى أقسام الطوارئ والعناية المركزة بعد إيقاف أدوية السكري أو خفض جرعاتها دون إشراف طبي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالمشكلة ليست في تناول نوع معين من الطعام أو الامتناع عنه، وإنما في اتخاذ قرارات علاجية مصيرية بناءً على نصائح عامة لا تراعي الفروق الفردية بين المرضى ولا طبيعة كل حالة.
الطب الحديث لا ينكر أهمية التغذية، بل يعتبرها أحد أعمدة العلاج الأساسية. لكن الفرق كبير بين اعتبار الغذاء جزءًا من الخطة العلاجية وبين تقديمه باعتباره بديلاً كاملاً للدواء. فمريض السكري أو القلب أو الضغط لا يحتاج إلى نصائح عامة بقدر حاجته إلى متابعة علمية دقيقة تحدد ما يناسب حالته الصحية ومستوى المرض والمضاعفات المحتملة.
ما يحدث اليوم يعكس أزمة ثقة ومعرفة في الوقت نفسه. فمع تدفق المعلومات عبر المنصات الرقمية أصبح من السهل أن تنتشر روايات جذابة تعد الناس بحلول سريعة وبسيطة لمشكلات صحية معقدة. وكلما كانت الرسالة أبسط وأكثر حسمًا زادت فرص انتشارها، حتى لو افتقدت إلى الأساس العلمي.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تمنح المرضى شعورًا زائفًا بالأمان. فالبعض يتوقف عن العلاج لأنه يشعر بتحسن مؤقت، والبعض الآخر يقتنع بأن الأدوية ليست سوى عبء يمكن الاستغناء عنه، بينما الحقيقة أن الأمراض المزمنة تحتاج إلى إدارة متكاملة تشمل الدواء والغذاء والنشاط البدني والمتابعة الطبية المستمرة.
التحرك السعودي يبعث برسالة مهمة إلى المنطقة العربية كلها مفادها أن حماية الصحة العامة لم تعد تقتصر على توفير الخدمات الطبية، بل تشمل أيضًا حماية المواطنين من المعلومات الصحية المضللة. فكما تخضع الأدوية للرقابة والتقييم العلمي، يجب أن تخضع الادعاءات العلاجية المتداولة على المنصات الرقمية للفحص والتدقيق قبل أن تتحول إلى وصفات يتبعها الناس على مسؤوليتهم الخاصة.
في النهاية، لا يوجد نظام غذائي سحري يعالج جميع الأمراض، ولا توجد وصفة واحدة تصلح لكل الناس. وما بين نصيحة الطبيب ومنشور على مواقع التواصل، يبقى العلم هو المرجع الوحيد القادر على حماية المرضى من دفع ثمن قد يكون باهظًا لصالح "ترند"عابر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض