تحليل شخصية الجناة فى قضايا الاعتداء الجنسى على الأطفال أمر مربك، وتبدأ عملية الارتباك من الاختلاف بين الجناة من حيث العمر وتباين المستوى التعليمى والمستوى الاجتماعى ودرجة القرابة من الضحية أحياناً، فما هو الرابط إذن الذى جمع بين مدير مدرسة يتحرش بطفلة فى مكتبة، وبين عاطل ارتكب هذا الفعل المشين فى الشارع؟، ما هو القاسم المشترك بين مسن تجاوز السبعين من العمر وعدد من العمال يُقدِمون على ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء؟، وما هى الأرضية التى انطلق منها الجناة فى دول أوروبية وآخرون من دول العالم الثالث؟ لماذا أصبح أطفالنا غنيمة لهؤلاء؟
تزداد الأسئلة وتزداد معها حيرة الإجابة لتفسير دوافع مرتكبى تلك الجرائم، بداية من التحرش اللفظى أو الجسدى مروراً بجريمة هتك العرض أو الاغتصاب وصولاً إلى جرائم الاتجار واستغلال الأطفال جنسياً، ويزداد الأمر تعقيداً فى بلادنا العربية، حيث يكون الصمت والشعور بالخزى والعار والفضيحة لأهل المجنى عليه هو الحل، فتكون النتيجة همساً باكياً وصراخاً صامتاً، إلى أن تُخرج الصدفة وحدها الجريمة إلى العلن، أو تظهر نتيجة مقطع فيديو يتم نشره عبر منصات التواصل الاجتماعى، وتستمر كرة الثلج فى الدوران مع فيديو آخر أو صدفة أخرى دون الوصول إلى إجابة شافية عن السؤال: لماذا يتم الاعتداء على الأطفال جنسياً؟
وليس هناك أصدق من سؤال «فينكلهور» عالم الاجتماع البارز المتخصص فى هذا الشأن، عندما قال منذ أربعة عقود: لا يوجد شىء فى مجال الاعتداء الجنسى على الأطفال أكثر إثارة للحيرة من السؤال: لماذا قد يتحرش شخص ما بطفل؟
مؤخراً كشفت دراسة وصفت بأنها الأكبر فى العالم، حتى الآن، حول مرتكبى الاعتداء الجنسى على الأطفال وأسباب ارتكابهم تلك الجرائم، حيث قدمت الدراسة التى قام بها «كيلى ريتشاردز» و«إيما هاسى» ونشرها موقع «Taylor and Francis» فبراير الماضى أكبر تحليل نوعى لروايات الجناة من سياقات جغرافية وثقافية شديدة التنوع، وأشارت الدراسة إلى تباين روايات الجناة بشكل كبير، فقد ألقى بعضهم باللوم على المخدرات والكحوليات، أو على تجاربهم الشخصية وسوء المعاملة فى الطفولة، بينما ادعى آخرون أنهم كانوا يبحثون عن تجارب جنسية جديدة مثيرة، وفى بعض الحالات وصف الجناة أنفسهم بأنهم كانوا ضحايا تعساء لمخططات ضحاياهم «الصغيرات».
إحدى أهم النتائج التى استوقفتنى فى تلك الدراسة هى الانتقام من الشريكة «الزوجة/ الصديقة» كأحد الأسباب الأكثر شيوعاً التى قدمها الجناة لتبرير جرائمهم، فقد قام بعض الجناة بالإقدام على تلك الجريمة لأن شريكاتهم فشلن فى أداء دور الشريكة الرومانسية «أو» الجنسية، «أو» الأم وربة المنزل، فقد اعترف أحدهم بأنه فى بعض الأحيان كان يتحرش بابنة شريكته بسبب غضبه منها لعدم تنظيفها المنزل، وفى بعض الحالات، ادعى الجناة أنهم دُفعوا إلى ارتكاب الاعتداء الجنسى على الأطفال بسبب رغبتهم فى ممارسة أفعال رفض شركاؤهم القيام بها، وقال أحدهم حسب الدراسة إنه فى اليوم الذى اغتصب فيه ضحيته، كان ذلك عملاً انتقامياً من جانبه، لأن صديقته قد تركته ولم تساعده على التعامل مع الإحباط الذى كان يشعر به، وقال آخر إنه فعل ذلك انتقاماً من زوجته لخيانتها له وحملها من رجل آخر!!
لم أسرد «الانتقام» كونه إحدى أهم نتائج الدراسة فقط بل لكونه، بالنسبة لى على الأقل، هو الدافع الأقرب إلى ارتكاب تلك النوعية من الجرائم التى سمعنا عنها مؤخراً فى بلادنا، والانتقام من الطفل كرمزية للفجوة الكبيرة التى حدثت فى المجتمع مؤخراً، وربما كان بدافع الانتقام من الآباء فى شخص الطفل، بالإضافة إلى اختلاف وتنوع وتعدد دوافع الانتقام ذاته.
الخلاصة: تتعدد أسباب وتفسيرات ودوافع الجناة لارتكاب مثل تلك الجرائم، ويجب على المختصين فى بلادنا إجراء دراسات مشابهة لتلك الدراسة التى أشرنا إليها وتحليل روايات الجناة، ربما نجد تفسيراً لتلك الجرائم التى طفت على السطح مؤخراً، أو تظهر إجابة شافية عن السؤال: لماذا يتم الاعتداء على الأطفال جنسياً؟ ولماذا أصبح أطفالنا غنيمة لهؤلاء؟
أخيراً: سيكون العائق الأكبر أمام تلك الدراسات لدينا هو الكذب والإنكار التام من قبل الجناة رغم توثيق تلك الجرائم، مثلما كان الصمت والخوف والارتباك والشعور بالخزى هو المانع فى الكشف عن تلك الجرائم أو الإبلاغ عنها.. ولابد من إيجاد حل لذلك.. هذا والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض