أزمة الكلاب الضالة تتفاقم.. دعوات لحلول علمية ومستدامة
تعود قضية الكلاب الضالة إلى واجهة النقاش المجتمعي بين الحين والآخر، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات التي تثير تباينًا في الآراء بين المختصين والمواطنين.
فمع تزايد الشكاوى المرتبطة بحالات العقر وانتشار تجمعات الكلاب في عدد من المناطق السكنية، تتصاعد المطالب باتخاذ إجراءات فعالة تضمن سلامة المواطنين، في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى تبني حلول إنسانية تحافظ على حقوق الحيوان والتوازن البيئي.
وتقف هذه القضية عند نقطة توازن دقيقة بين اعتبارات الأمن المجتمعي والصحة العامة من جهة، والحفاظ على المنظومة البيئية من جهة أخرى. وبين من يرى أن الزيادة المستمرة في أعداد الكلاب الضالة أصبحت تمثل خطرًا مباشرًا على المواطنين، ومن يؤكد أن الحلول التقليدية القائمة على القتل أو التسميم أثبتت عدم جدواها، تتواصل المناقشات حول أفضل الآليات للتعامل مع هذه الظاهرة بشكل علمي ومستدام.
فكرة الصراع بين الإنسان والحيوان
وفي هذا الإطار، دعت الناشطة في مجال حقوق الحيوان فاطمة الزهراء توفيق إلى الابتعاد عن فكرة الصراع بين الإنسان والحيوان، مؤكدة أن القضية يجب أن تُناقش من منظور بيئي شامل يحقق التوازن ويحافظ على سلامة جميع عناصر المنظومة البيئية.
وأوضحت توفيق أنها لا تنظر إلى نفسها باعتبارها مدافعة عن حقوق الحيوان فقط، بل مهتمة بكافة مكونات البيئة، مشيرة إلى أن الإنسان والنبات والحيوان يمثلون عناصر مترابطة داخل منظومة واحدة، وأن الحفاظ على هذا الترابط يمثل أساس الاستقرار البيئي.
وأضافت أن الحديث لا يتعلق بالمساواة المطلقة بين الإنسان والحيوان، وإنما بإيجاد معادلة متوازنة تضمن حماية الإنسان والحفاظ على البيئة في الوقت نفسه، بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على استقرار المجتمع.
ورغم دفاعها عن أهمية البعد البيئي، شددت توفيق على أن المخاوف التي يبديها المواطنون تجاه الكلاب الضالة واقعية ومشروعة، لافتة إلى أنها تشعر شخصيًا بالقلق على أطفالها أثناء توجههم إلى المدرسة بسبب وجود تجمعات للكلاب في بعض الشوارع. وأكدت أن الأطفال وكبار السن من أكثر الفئات عرضة للتأثر بهذه المخاوف، ما يستدعي التعامل الجاد مع المشكلة.
وترى الناشطة في حقوق الحيوان أن القضاء على الظاهرة لا يمكن أن يتحقق من خلال الإبادة أو التخلص الجماعي من الكلاب، معتبرة أن التجارب السابقة أثبتت محدودية فعالية هذا النهج. وأشارت إلى أن حملات التسميم وتقليص الأعداد بالقوة استمرت لعقود طويلة دون أن تنجح في إنهاء المشكلة، بل استمرت الأعداد في الارتفاع، ما يعكس الحاجة إلى حلول أكثر استدامة وفاعلية.
في المقابل، حذر الدكتور شهاب عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان، من تداعيات استمرار الأزمة، مؤكدًا أن القضية لم تعد تقتصر على بعدها البيئي، وإنما أصبحت تمثل تحديًا يرتبط بالأمن المجتمعي والصحة العامة، فضلًا عن تأثيراتها الاقتصادية.
وأوضح أن الاعتقاد بضرورة وجود أعداد كبيرة من الكلاب داخل المناطق السكنية للحفاظ على التوازن البيئي لا يستند إلى أسس علمية دقيقة، مشيرًا إلى أن مفهوم التوازن البيئي يرتبط بالبيئات الطبيعية والصحراوية التي تضم تنوعًا واسعًا من الكائنات الحية، بينما تخضع المدن والمناطق المأهولة باعتبارات مختلفة تتعلق بسلامة السكان وجودة الحياة.
الكلاب داخل المناطق السكنية
وأضاف أن تحديد الأعداد المناسبة من الكلاب داخل المناطق السكنية يجب أن يعتمد على دراسات علمية وتحليلات دقيقة تراعي الكثافة السكانية وطبيعة المناطق العمرانية ومستوى النشاط البشري، بما يحقق التوازن بين الاعتبارات البيئية ومتطلبات الأمن المجتمعي.
وكشف عبد الحميد عن مؤشرات مقلقة تتعلق بتزايد أعداد الكلاب الضالة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن بعض الدراسات أشارت إلى ارتفاع أعدادها من نحو 15 مليون كلب عام 2014 إلى أكثر من 40 مليون كلب خلال العام الحالي.
كما أشار إلى ارتفاع معدلات العقر بصورة ملحوظة خلال الفترة نفسها، حيث زادت من نحو 300 ألف حالة سنويًا في عام 2014 إلى أكثر من مليون و400 ألف حالة حاليًا، مع توقعات بتجاوز مليوني حالة بنهاية العام إذا استمرت الأوضاع على حالها دون تدخلات فعالة.
وأكد أن هذه الزيادة تمثل ضغطًا متناميًا على المنظومة الصحية، سواء من خلال الحاجة المستمرة لتوفير الأمصال واللقاحات أو بسبب الأعباء المالية المرتبطة بعلاج المصابين، ما يجعل أزمة الكلاب الضالة قضية تتداخل فيها الأبعاد البيئية والصحية والاقتصادية وتتطلب حلولًا شاملة ومستدامة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض