م الآخر
كيف تؤثر المشاعر على قراراتك المالية؟ هذا هو محور المقال، ولكن وجدت نفسى أفكر فى سؤال آخر، وهو: ما أسباب الفشل المالى للكثير من المؤسسات؟ وهل السبب فى العامل أم فى القيادى؟ ولماذا؟ وجدت أن العواطف عامل مشترك بين الاثنين.
فنجد أن الفشل المالى يرجع إلى التعامل مع المؤسسة بالمشاعر، والاعتماد على أهل الثقة وليس أهل الخبرة. وتغيب العدالة ويعم الظلم، وتنتشر الفوضى الإدارية، والمالية، ويسعى كل عامل إلى الحصول على أكبر مكاسب شخصية، ويغلب مصلحته على مصلحة المؤسسة محاولاً الاستفادة بأكبر قدر من حالة الفوضى. ويعلق القيادى الفشل المالى على الظروف، ومن سبقوه، ولا يتخذ إجراء واحداً من أجل إصلاح حقيقى، بل يولى قيادات تتعامل أيضاً بالمشاعر، ومراعاة الإنسانية، وهى كلمة مطاطة لا تطبق بشكل انتقائى.
ويستطيع المسئول أن يسأل نفسه سؤالاً مهماً: هل لو هذه المؤسسة مالى الخاص، كنت ستتخذ القرارات التى اتخذها الآن. ولا يقتصر هذا السؤال على المؤسسات المتعثرة مالياً بل حتى على الرابحة فنجد فى بعض المؤسسات المصرفية يتم التجديد للبعض بعد سن المعاش للسنة الرابعة والخامسة، دون أن يقدموا أى إضافة، لمجرد أنهم أقارب شخصيات ذات نفوذ سياسى. ولهذا يعم الفساد، وتتراجع الكفاءة، ويضيع مبدأ تكافؤ الفرص.
أما كيف تؤثر المشاعر على قراراتك المالية، فتظهر دراسات علم النفس الاقتصادى والسلوك المالى أن المال لا يدار بالأرقام وحدها، بل بالمشاعر أيضاً. فالخوف والطمع والثقة والقلق ليست مجرد انفعالات عابرة، بل هى قوى مؤثرة ترسم ملامح قراراتنا المالية اليومية، وتوجه سلوك الأسواق الكبرى بالقدر نفسه. وفى كتاب التفكير السريع والبطىء، يشير إلى أن الإنسان يتخذ قراراته عبر نظامين: الأول سريع وحدسى يعتمد على العاطفة والانطباعات، والثانى بطىء ومنطقى يقوم على التحليل والتفكير العميق. وعندما يتعلق الأمر بالمال، يميل أغلب الناس إلى النظام السريع، فيتأثرون بمشاعر الخوف أو الأمل، ويتخذون قرارات استثمارية اندفاعية دون تقييم كامل للمخاطر. وتخيل أنك تشاهد عرضاً لسلعة لا تحتاج إليها ولكن وجدت نفسك بالبطاقة الائتمانية (ليست فلوسك) تقوم بالشراء. وهنا مشاعرك هى القوة الخفية التى تتحكم فى محفظتك المالية وربما أكثر مما نتخيل.
والأسواق المالية نفسها تتحرك بناء على موجات من المشاعر الجماعية، مثل التفاؤل أو الذعر، لا على أسس اقتصادية صلبة، ففقاعات الأسهم والأزمات المالية الكبرى غالباً ما تبدأ بمشاعر الحماس المفرط أو الخوف الجماعى.
وينصح الأثرياء بتطوير الوعى الذاتى تجاه مشاعرهم، وتسجيل أسباب قراراتهم الاستثمارية، ومراقبة ردود فعلهم فى الأوقات الحرجة، لأن الانفعال فى لحظة اتخاذ القرار هو ما يحدد النتيجة فى كثير من الأحيان. وتكشف الكثير من الكتب أن النجاح المالى يعتمد على إدارة العواطف قبل إدارة الأموال.
فالعقل هو من يضع الخطة، لكن العواطف هى التى قد تدفعك إلى الالتزام بها أو التخلى عنها. ومن يتعلم التمييز بين ما يشعر به وما يراه منطقياً، يقترب أكثر من تحقيق توازن مالى حقيقى ومستدام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض