رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كرة القدم كأداة تأثير في السياسة والمجتمع
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة شعبية أو منافسة رياضية تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة في عالم يتغيّر فيه مفهوم النفوذ والتأثير. ففي زمن تراجع فاعلية الخطاب السياسي التقليدي، برزت الرياضة – وعلى رأسها كرة القدم – كوسيط قادر على الوصول إلى العقول والوجدان دون لغة مباشرة، مستغلة شغف الجماهير وارتباطها العاطفي العميق بالفرق والمنتخبات.
إن كرة القدم أصبحت انعكاسًا لحضارة الشعوب ومستوى تقدمها واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن قدرتها على تعزيز مكانة الدولة بين الأمم. ولهذا السبب، تُسخّر الدول كافة إمكانياتها المالية، والثقافية، والإعلامية، والدبلوماسية، لاستضافة البطولات الكبرى أو المشاركة فيها، ليس فقط من أجل الترفيه، بل كوسيلة لدعم الاستقرار الداخلي وتعزيز الانتماء المجتمعي وتأجيل الصراعات الداخلية.
اللعبة الساحرة بين الشعوب
وصف كثيرون كرة القدم بأنها "لعبة سحرية" تتجاوز الحدود، والألقاب، والعرق، والدين، والثقافة. هي أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ "أفيون الشعوب" عند البعض، أو "تنويم مغناطيسي" يجذب الجميع: الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، المتعلمون والأميون، الحكام والمحكومون، الموالون والمعارضون.
ومع ما يُفترض بها من كونها جسرًا بين الثقافات، قد تتحوّل أحيانًا إلى مصدر شحن عاطفي يصعب السيطرة عليه، فتفرح شعوبًا وتبكي أخرى، حتى الأكثر انضباطًا وصرامة. وقد تدفع الملايين إلى التعبير عن فرحهم أو غضبهم في الشوارع، وتُخفّف مؤقتًا من القيود الاجتماعية والسياسية، وهو ما لاحظته دول استضافت نهائيات كبرى، إذ غفرت للمتفرجين بعض السلوكيات غير المسموح بها عادة.
الاقتصاد والرياضة: وجه القوة الناعمة
لا تخلو كرة القدم من البعد الاقتصادي؛ فالدول المضيفة تنفق بسخاء على الملاعب والبنية التحتية، أحيانًا على حساب احتياجات محلية، مثلما فعل حاتم الطائي في أسطورة الكرم العربي، لتقديم أفضل تجربة للضيف، وإظهار التميز والقدرة على المنافسة. ويُقدّر أن العوائد من البث الإعلامي، والإعلانات، والسياحة، والمطاعم، والتذاكر، تتجاوز أحيانًا دخل الفرد السنوي، ما يجعل كرة القدم بورصة عاطفية واقتصادية في آن واحد.
تتنافس القوى الصاعدة والكبرى على استضافة البطولات الدولية، مثل كأس العالم وكأس القارات، باعتبارها منصة لعرض قوة الدولة الناعمة، وتعزيز صورتها أمام الشعوب الأخرى. وما يجري اليوم يؤكد أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة، بل أداة استراتيجية للتأثير في السياسة والمجتمع على حد سواء.
المشاركة العربية في المشهد العالمي
لأول مرة منذ قرن من الزمان، ستشارك ثماني دول عربية في كأس العالم 2026، من الشام والمغرب العربي والخليج، ما يعكس التحول الجغرافي والاعتراف المتزايد بالمكانة العربية في الساحة الرياضية الدولية. مشاركة الفرق العربية لم تعد رمزية كما في السابق، بل أصبحت ندية، بعد أن وصل الفريق المغربي إلى المربع الذهبي أمام فرنسا في كأس العالم 2022، وهو إنجاز يثبت قدرة العرب على المنافسة على أعلى المستويات.
لكن الواقع المؤسف أن جزءًا كبيرًا من الجماهير العربية لن يستطيع حضور المباريات في الولايات المتحدة بسبب قيود التأشيرات، لتبقى المشاركة المباشرة محصورة، في حين سيظل الدعم العاطفي والمساندة من المقاهي والشاشات وسيلة للتعبير عن الانتماء والولاء الوطني.

في النهاية، كرة القدم تجمع الشعوب وتبرز الثقافة والهوية، لكنها لا تلغي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ولا تحل التحديات السياسية. هي مرآة تعكس قوة الدولة الناعمة ومكانة المجتمع، وتفتح نافذة على العالم، لكنها أيضًا تذكّرنا بأن القوة الحقيقية تبقى في استقرارنا الداخلي وقدرتنا على إدارة مواردنا ومواهبنا.،،!!
كاتب وباحث في الشؤون الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!