في ذكرى الخامس من يونيو، لا نستدعي الهزيمة لكي نبكيها، ولا نستحضر النكسه لكي نستسلم لأوجاعها، وإنما نستدعيها لنفهم سرًا مصريًا عظيمًا أثبتته الأيام: قد يُهزم الجيش في معركه، وقد تتعثر الدوله في مرحلة، وقد يخطئ الحكام مهما بلغت قوتهم، لكن مصر نفسها تبقى عصيه على الانكسار.
في يونيو 1967 تعرضت مصر لهزيمه عسكريه قاسيه. فُقدت مساحات من الأرض، ودُمرت معدات عسكريه ضخمه، وسقط آلاف الشهداء والمصابين، وعادت وحدات كثيره من الجيش بعد أيام ثقيله من الألم والمعاناه. كان المشهد صادمًا بكل المقاييس.
لكن السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه ليس كيف وقعت الهزيمه، بل لماذا لم تسقط مصر بعدها؟
التاريخ يعلمنا أن دولًا كثيرة انهارت بعد هزائم أقل قسوه مما تعرضت له مصر. دول تفككت، وشعوب استسلمت، وأنظمة انهارت، وأمم اختفت من صفحات التاريخ. أما مصر فكان لها شأن آخر.
بعد ساعات قليله من إعلان الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. لم يكن هناك ترتيب مسبق، ولا دعوات منظمه، ولا وسائل تواصل حديثه تحشد الجماهير. خرج الناس بدافع واحد: الدفاع عن الوطن.
كانت الرساله واضحه وصاخبه:
"سنحارب."
لم يكن لدى الجماهير وقتها جيش جاهز للنصر، ولا خطط عسكريه معلنه، ولا وعود سهله. كان لديها شيء واحد فقط: إيمان راسخ بأن مصر لا يمكن أن تستسلم.
هنا يظهر جوهر الهويه المصريه.
هذه الهوية ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، وليست حاله عاطفيه مؤقته. إنها تراكم حضاري امتد لآلاف السنين، صنع شخصيه مصريه فريده ترى الوطن أكثر من مجرد حدود على الخريطه. تراه بيتًا كبيرًا، وأسره ممتده، وذاكره مشتركه، ومصيرًا واحدًا.
لهذا السبب لم تنجح موجات الغزو المتعاقبه في محو الشخصيه المصريه.
مر على هذه الأرض الهكسوس والفرس والإغريق والرومان وغيرهم، وتغيرت دول وحكومات وعواصم، لكن مصر بقيت مصر.
تبدلت أنظمة الحكم، وسقط ملوك وأباطره وسلاطين ورؤساء، بينما ظلت الهويه المصريه هي العنصر الأكثر ثباتًا واستمرارًا.
إنها هويه تقوم على الانتماء العميق للأرض، والقدره الاستثنائيه على الصبر، والتماسك المجتمعي، واحترام الدوله مع الاحتفاظ بحق مراجعة الحاكم ومحاسبته، والإيمان بأن الوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من الأنظمه.
ولهذا كانت مصر دائمًا أقوى من حكامها.
فالحاكم يمر، والدوله تبقى.
والدوله تتغير، أما الحضاره فتمتد.
والأزمات تعصف بالمجتمعات، لكن الهوية الراسخة تعيد بناء ما تهدم.
من هنا نفهم كيف تحولت نكسة يونيو إلى بداية طريق انتهى بعبور أكتوبر 1973. ست سنوات فقط فصلت بين المشهدين: جيش منكسر يعيد بناء نفسه، وشعب جريح يستعيد ثقته، ودوله تعيد تنظيم قدراتها، ثم لحظه تاريخيه أعادت كتابة المعادلات العسكريه والسياسيه في المنطقه.
لم يكن الانتصار وليد السلاح وحده، رغم أهمية السلاح، ولم يكن نتاج التخطيط العسكري وحده، رغم عظمة التخطيط، بل كان ثمرة إراده وطنيه رفضت الاعتراف بأن الهزيمه قدر أبدي.
وهنا يكمن الدرس الأهم في ذكرى يونيو.
الخطر الحقيقي على مصر لم يكن يومًا في الجيوش التي تقف على الحدود فقط، بل في كل ما يهدد تماسك هويتها من الداخل.
في تراجع العدالة.
في إضعاف الطبقة الوسطى.
في تآكل الثقافه والتعليم.
في تحويل المواطن من شريك في الوطن إلى مجرد رقم أو متلقٍ للخدمات.
في إضعاف القوه الناعمه التي صنعت لمصر مكانتها العربيه والإنسانيه.
فالهويه الوطنيه لا تُحمى بالشعارات، بل بالعدل. ولا تُصان بالخطب، بل بالسياسات. ولا تُورث للأجيال بالكلمات، بل بالممارسه اليوميه التي تجعل المواطن يشعر أن هذا الوطن وطنه فعلًا وهو شريك فيما يخصه من قرارات وتضحيات في بيئة شفافه تحتوي الصغير قبل الكبيروالمعارض قبل المؤيد .
إن أعظم ما كشفته نكسة يونيو ليس حجم الهزيمه، بل حجم القوه الكامنه داخل الشعب المصري.
قوة جعلته أمةً جُرحت ولم تمت. وتعثرت ولم تسقط
وانكسرت ولم تستسلم.
لأن مصر، عبر تاريخها الطويل، كانت تمتلك دائمًا سرًا واحدًا لا يستطيع الغزاة فهمه كاملًا:
أن هذا الوطن ليس مجرد دوله يعيش فيها المصريون...
بل فكره عظيمه تعيش في وجدان المصريين.
ولهذا بقيت مصر.
ولهذا ستبقى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض