مذاهب الفقهاء في حكم ذبح ولد الأضحية
من المقرر شرعًا أن الحفاظ على الثروة الحيوانية، وعدم الإخلال بالأمن الغذائي للأوطان مقصدٌ من مقاصد الشرع الحنيف، حيث أمر به وحثَّ عليه، ووضع له من التشريعات والقواعد ما يضمن سلامته وتوازنه واستقراره؛ فقد حدَّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جملة من المعاني والضوابط التي من شأنها الحفاظ على مقومات الثروة الحيوانية، والتي من أهمها: تحديد سنٍّ معينة حتى يذبح الحيوان على اختلاف نوعه وجنسه؛ لمَظِنَّةِ أن يكون الحيوان المذبوح ناضجًا كثيرَ اللحم، بالإضافة إلى حفظ سلالته من الانقراض.
حكم ذبح ولد الأضحية
ذهب الفقهاء إلى أن المضحي إذا اشترى شاةً أو ناقةً أو بقرةً عشراء للأضحية، فولدت قبل وقت الذبح، فلا يُذبح ولدها، سواء للطُّعْم أو للتضحية، وله أن يتصدق بقيمته، خروجًا من خلاف الحنفية.
كما أوجب نفقة الطعام للحيوان على صاحبه، وأرشد في ذلك إلى عدم الاقتصار على ما يكفيه ويقيم حياته فحسب، بل بما يسبغ لحمه ويكَثِّر نتاجه؛ فعن سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ رضي الله عنه أنه قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وأبو داود في "السنن".
قال العلامة الطيبي في "شرح المشكاة" (7/ 2387، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [قوله: «فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً» ترغيب إلى تعهدها بالعلف؛ لتكون مهيَّأة لائقة لما تريدون منها، فإن أردتم أن تركبوها فاركبوها وهي صالحة للركوب قوية على المشي، وإن أردتم أن تتركوها للأكل فتعهدوها؛ لتكون سمينة صالحة للأكل] اهـ.
مذاهب الفقهاء الأربعة في حكم ذبح ولد الأضحية
اختلف الفقهاء في مسألة ماذا يُصنع بولد الأضحية في حالة ما إذا اشترى مَن يريد التضحية شاةً أو ناقةً أو بقرةً عشراء للأضحية، فولدت قبل وقت الذبح؟
فذهب المالكية ومَن وافقهم إلى أنه لا يُذبح ولد الأضحية الخارج منها قبل ذبحها وقبل بلوغه سِنَّ الذبح وجوبًا، كما في "شرح الخَرَشِي على مختصر خليل" (3/ 40، ط. دار الفكر)، وذهب الإمام أشهب إلى عدم مشروعية التضحية به، وإذا ذبح فإنه لا يَحل، وذهب بعض الحنفية إلى أنه لا ينبغي أن يُذبح، كما في "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 79، ط. دار الكتب العلمية)، وذهب بعضهم أيضًا إلى أنه يُستحب التصدق به حيًّا أو بقيمته إذا احتيج إليه.
قال الإمام اللَّخْمِي المالكي في "التبصرة" (4/ 1568، ط. أوقاف قطر): [قال أشهب في "كتاب محمد": لَا أرى أن يُضحى به، ولا يحل... فلا يجوز له أن يضحي بدون المُسِنِّ، ولو بَعُد ما بين الولادة والذبح؛ ما جاز له أن يذبحه على وجه الأضحية] اهـ.
وقال العلامة الحداد الحنفي في "الجوهرة النيرة" (2/ 188، ط. المطبعة الخيرية): [كان أصحابنا يقولون: لا يجب ذبح الولد، ولو تصدق به جاز؛ لأن الحقَّ لم يسْرِ إليه، ولكنه متعلق بها فهو كجلدها وخطامها] اهـ.
ويمكن للمضحي في هذه الحالة أن يتصدق بقيمته، على ما قرره فقهاء الحنفية، كما في "المبسوط" للإمام السَّرَخْسِي الحنفي (12/ 14، ط. دار المعرفة)، و"رد المحتار" للعلامة ابن عابدين الحنفي (6/ 323، ط. دار الفكر).
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض