رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

كان الحديث عن مؤسسات وجمعيات المجتمع المدنى فى هولندا مع الشاب الصينى «تشى يون» الذى يعد رسالة دكتوراه حول هذا الموضوع، كان حديثاً موجعاً لى كمواطنة مصرية غيورة على وطنى وأتمنى أن أراه أحسن بلد فى العالم فى كل المناحى، وأتمنى أن أرى مؤسسات المجتمع المدنى وتلك الجمعيات الخيرية لدينا تقوم بدور حقيقى ملموس، وتلعب من خلاله دور الظهير الأمين للدولة لسد ما تعجز عنه حكومتنا فى تخفيف حدة أعباء الحياة عن كاهل المواطنين وعلاج توحش الفقر، وسد الاحتياجات الأساسية للبسطاء للعيش فى حياة كريمة.
وقد طرحت فى الأسبوعين الماضيين أسلوب عمل تلك المؤسسات فى هولندا الذى يعتمد على الشفافية الكاملة والرقابة بما لا يتيح أى فرصة للاستغلال والنهب من قبل القائمين عليها، وتوجه خدمات وأموال تلك المؤسسات فعلياً وليس صورياً للفقراء والمحتاجين مع كل المساعدات الممكنة لهم للصعود بهم من تحت خط الفقر إلى حد الكفاية.
وانتهيت فى مقالى الماضى إلى أن هذه المؤسسات ساعدت بالفعل فى انخفاض معدلات الجريمة خاصة السرقة، فلم يعد لغالبية الفقراء الدافع لهذا باستثناء المدمنين الذين يسرقون للحصول على ثمن المخدرات، وحتى هؤلاء تنتهج معهم الحكومة الهولندية أيضاً وبمساعدة مؤسسات المجتمع المدنى أسلوباً غريباً أرفضه بالطبع وأراه لا آدمى ولكنها سياستهم لحماية المجتمع الراغب العيش فى سلام وأمان، حيث يتم منح المدمنين الرافضين للعلاج والذين يهربون من مصحات العلاج- التى هى بالطبع مجانية- للتشرد فى الشوارع ويرفضون أيضاً السكن فى منازلهم والعيش فى استقرار أو حتى العيش فى بيوت الضيافة المخصصة للمشردين، هؤلاء تقدم لهم الدولة المخدرات مجانا بصورة أو بأخرى، وكأنها تقول لمن أراد لنفسه الدمار والموت: فلتفعل هذا بنفسك طالما أنك مصر على ذلك ولكن لا تضر باقى أبناء المجتمع.
ويجب التوضيح هنا أنهم لا يقدمون المخدرات للمدمنين مجاناً بالمعنى الترفيهى، بل يتم ذلك ضمن برنامج طبى صارم يعرف باسم «العلاج بالهيروين الطب المساعد». 
وتستخدم هذه الطريقة مع تلك الفئة من مدمنى الهيروين الذين فشلت معهم جميع طرق العلاج التقليدية مثل برامج علاج «الميثادون» أو برامج العلاج الأخرى خاصة من تزيد أعمارهم على 35 عاماً ويعانون من مشاكل صحية واجتماعية حادة نتيجة إدمانهم ويهددون أمن المجتمع بسلوكهم غير المتزن وبسرقاتهم أو ارتكابهم أى جرائم لحصول على ثمن الهيروين.
ويتم ذلك فى مراكز طبية متخصصة لتناول الجرعة المخففة تحت إشراف أطباء وممرضين، ولا يسمح للمدمن أخذ المخدرات لمنزله لضمان عدم تناوله جرعة زائدة وللحفاظ على استقرار حالته الصحية، ويتزامن هذا مع تقديم رعاية نفسية واجتماعية للمدمن أيضاً من خلال مؤسسات المجتمع المدنى لمساعدته على استعادة استقرار حياته، مثل العثور على سكن أو عمل.
وقد أدت سياستهم مع المدمنين الخطرين والتى تبدو غريبة وغير مقبولة إلى الإسهام فى انخفاض معدلات الجريمة أيضاً. 
وشهدت هولندا منذ عقد تقريباً تراجعاً ملحوظاً ومستمراً فى معدلات جرائم السرقة التقليدية للمنازل والسطو المسلح والنشل بنسبة هبطت إلى أقل من النصف لتصل إلى 30% تقريباً مقارنة بمعدلات الجريمة التى كانت عليها هولندا قبل عقد من الزمان، مما أدى إلى ظاهرة فريدة تمثلت فى إغلاق العديد من السجون أو تحويلها لاستخدامات أخرى، حيث تم منذ عام 2009 إغلاق نحو 20 سجناً لانخفاض أعداد السجناء بنسبة وصلت 40% مقارنة بما كانت عليه، بجانب قيام مؤسسات المجتمع المدنى فى المساعدة لإعادة تأهيل خريجى السجون ما قلل عودتهم لارتكاب الجرائم ومساعدتهم فى الحصول على عمل وتدريبهم فى دورات تأهيل تفتح لهم أسواق العمل، بجانب مساعدات أخرى اجتماعية ونفسية ليصبحوا مقبولين فى المجتمع دون أن يطاردهم ماضيهم الإجرامى.
طرحى لتجربة هولندا المتعلقة بمؤسسات المجتمع المدنى والجمعيات الخيرية ليس بالضرورة أن نعلق فيها على جزئية تعاملهم مع المدمنين، بل علينا أن نأخذ منها الجانب الثرى والطيب الذى يتلاءم مع مجتمعنا ويخدمه ويهون من وطأة الفقر المستشرى والمرتبط به تزايد الجريمة، وإذا كانت هذه هى تجربة هولندا مع مؤسسات المجتمع المدنى والتى ناقشتها بالتفصيل من خلال الدراسة التى يعدها هذا الباحث الصينى «تشى يون» كرسالة دكتوراه، فلم أتمكن أيضاً من إفلات الفرصة للحديث معه ومن واقع أصوله عن الصين نفسها وتجربتها فى معالجة الفقر، والتى تعد تجربة فريدة لو طبقتها كل دول العالم الثالث، لقفزت إلى مصاف الدول الغنية واستقلت قراراتها السياسية والاقتصادية، ولم تعد خاضعة للإملاءات الخارجية لا لاشتراطات الدائنين من البنك الدولى ولا صندوق النقد الدولى، وللحديث بقية.

[email protected]