البهنسا.. بقيع مصر التي تحتضن قبور الصحابة وتروي تاريخ الفتح الإسلامي
في قلب محافظة المنيا، وعلى أرض تحمل عبق التاريخ وروحانيات الماضي، تقف مدينة البهنسا شامخة كواحدة من أبرز المدن الإسلامية التاريخية في مصر، حتى لُقبت بـ”بقيع مصر” أو “البقيع الثاني”، لما تضمه من مقامات وقبور لآلاف الصحابة والتابعين الذين شاركوا في الفتح الإسلامي، وبين القباب القديمة والأضرحة الممتدة في المكان، يشعر الزائر وكأنه يعود قرونًا إلى الوراء، إلى زمن الصحابة والتابعين والفتوحات الإسلامية الأولى.
وتُعد البهنسا واحدة من أهم المزارات الدينية والتاريخية في صعيد مصر، حيث يقصدها الزائرون من مختلف المحافظات، بل ومن بعض الدول العربية والإسلامية، للتبرك بالمكان وزيارة مقامات الصحابة وآل البيت والتابعين، في مشهد يجمع بين الروحانية والتاريخ والتراث الشعبي المصري.
ويؤكد المؤرخون أن مدينة البهنسا تحتضن قبور ما يقرب من 5 آلاف من الصحابة والتابعين والمجاهدين الذين شاركوا في الفتح الإسلامي لمصر، من بينهم نحو 70 صحابيًا ممن شاركوا في غزوة بدر الكبرى، وهو ما منح المدينة مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي والشعبي، لتصبح أشبه بمتحف مفتوح يروي صفحات من التاريخ الإسلامي المبكر.
المشهد المميز للقباب والمقامات:
وعند زيارة البهنسا لأول مرة، تتوقف الأنظار طويلًا أمام المشهد المميز للقباب والمقامات المنتشرة في أنحاء المنطقة، حيث تتداخل مقابر الصحابة مع مقابر الأهالي الذين يحرص كثير منهم على دفن ذويهم بجوار هذه الأماكن المباركة، اعتقادًا منهم بفضل المكان وروحانيته.
وتتحول البهنسا، خاصة يوم الجمعة، إلى ساحة احتفال روحي وشعبي كبير، حيث يتوافد الزائرون منذ ساعات الصباح الأولى لقضاء يوم كامل داخل المنطقة، في أجواء يغلب عليها الطابع الديني والاجتماعي، بينما يحرص بعض الأهالي على تقديم الطعام والشراب للزوار كنوع من الكرم والصدقة المرتبطة بزيارة المقامات.
ومع الدخول إلى المنطقة، يلفت الانتباه مدخل البهنسا التاريخي الذي يقود الزائر إلى عدد من المقامات الشهيرة، من بينها ساحة سيدي علي الجمام، الذي يُعرف بأنه قاضي قضاة ولاية البهنسا، وتضم الساحة كذلك مقام أولاد عقيل، في مشهد يعكس الطابع الروحي والتاريخي للمكان.
وعلى بعد أمتار قليلة، يقع مقام “السبع بنات”، أحد أشهر المقامات في البهنسا وأكثرها جذبًا للزوار، حيث توجد سبعة مقامات متجاورة داخل منطقة واسعة تستقبل الزائرين طوال العام. كما تشتهر المنطقة بما يُعرف بـ”الدحرجة”، وهي من العادات الشعبية المرتبطة بزيارة المكان، ويحرص كثير من الزائرين على المرور بها خلال جولتهم.
الطريق الموازي لمنطقة شهداء البهنسا:
وتقع منطقة السبع بنات على الطريق الموازي لمنطقة شهداء البهنسا، التي تضم عددًا كبيرًا من المقامات والأضرحة التاريخية، ما يجعل المدينة بأكملها أشبه بخريطة مفتوحة للتاريخ الإسلامي في مصر.
ولا تقتصر أهمية البهنسا على البعد الديني فقط، بل تمثل أيضًا وجهة مهمة للسياحة الداخلية، خاصة لأهالي القرى والمراكز المختلفة بمحافظة المنيا ومحافظات الصعيد، الذين يجدون في زيارتها مزيجًا من الروحانية والتراث الشعبي والارتباط بالتاريخ الإسلامي.
ورغم ما تتمتع به البهنسا من قيمة تاريخية ودينية كبيرة، يطالب كثير من الأهالي والمهتمين بالتراث بضرورة تطوير المنطقة ورفع كفاءتها، بما يليق بمكانتها التاريخية، مع توفير خدمات أفضل للزائرين، وتحويلها إلى مزار ديني وسياحي متكامل يمكن أن يجذب مزيدًا من الزوار من داخل مصر وخارجها.
وتظل البهنسا، بما تحمله من تاريخ وروحانية، شاهدًا حيًا على صفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي في مصر، ومكانًا يحتفظ في ذاكرة الزائرين بمشاهد لا تُنسى من السكينة والعبق التاريخي الممتد عبر القرون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

