إطلالة
فى حياتنا لحظات تمر كأنها رسائل خفية من السماء، تحمل بين طياتها معانى أكبر من قدرتنا على الفهم، وتجعلنا نقف طويلًا أمام حقيقة واحدة لا يمكن لأحد أن يهرب منها أو يتجاوزها، وهى حقيقة القضاء والقدر. فمهما خطط الإنسان، ومهما رسم لنفسه طريقًا يظن أنه قادر على السير فيه كما يشاء، يبقى تدبير الله عز وجل فوق كل التدابير، وتبقى إرادته وحدها هى النافذة فى النهاية.
لقد أيقنت مع مرور السنوات أننا لا نستطيع أن نخطو خطوة واحدة إلا بإذن من الله، وأن كثيرًا من الأحداث التى نظنها صدفة ليست إلا خيوطًا دقيقة ينسجها القدر بحكمة لا ندركها إلا بعد حين. وربما كانت تجربتى الأخيرة من أكثر التجارب التى جعلت هذا اليقين يسكن قلبى بصورة لا تقبل الشك.
كانت تربطنى بالفنان الراحل هانى شاكر علاقة مختلفة، علاقة يصعب وصفها بالكلمات. لم تكن مجرد علاقة مستمع بفنان، بل كانت حالة من الانبهار والحب والاحترام لفنه الراقى وصوته العذب الذى كان يلامس الروح قبل الأذن. كنت أراه نموذجًا للفنان الحقيقى الذى يحمل قيمة الفن النظيف والكلمة الراقية والإحساس الصادق. ومع كل أغنية كان يقدمها، كنت أشعر أنه يقترب أكثر من مشاعرنا الإنسانية البسيطة، فيصبح جزءًا من ذكرياتنا وأيامنا وأحزاننا وأفراحنا.
ولذلك عندما علمت بخبر وفاته، شعرت وكأن الخبر سقط فوق رأسى كالصاعقة. لم أصدق فى البداية، وتمنيت أن يكون مجرد شائعة عابرة كالكثير مما نسمعه يوميًا. لكن الحقيقة كانت أقوى من أمانينا. شعرت يومها أننى فقدت فردًا من عائلتى، لا مجرد فنان أحببته. سيطر علىّ حزن شديد، ودخلت فى حالة من الانهيار والبكاء لم أستطع مقاومتها.
فى تلك اللحظة، طلبت من زوجى الدكتور وجدى زين الدين أن نذهب للصلاة عليه وحضور مراسم الدفن، فقد اعتدت دائمًا عندما يتوفى شخص أن أشارك فى وداعه الأخير بقراءة سورة «يس» عقب الدفن، إيمانًا منى بأن الدعاء والقرآن هما أصدق ما يمكن أن نهديه للراحلين. وافق زوجى بكل حب، بل شجعنى على ذلك، وكأن الأمر كان قد كُتب بالفعل قبل أن ننطق به.
وعندما علمت أن الجثمان سوف يصل إلى مستشفى الشيخ زايد التخصصى، شعرت بسعادة غريبة وسط الحزن. قلت لنفسى إن القدر ربما أراد أن يمنحنى فرصة الوداع الأخيرة، خصوصًا أن المستشفى قريب من محل سكنى، وتصورت أن الأمور أصبحت مهيأة كى أحقق ما تمنيت.
لكن الله سبحانه وتعالى كان يخبئ لى درسًا أكبر بكثير من مجرد حضور جنازة أو قراءة سورة «يس». أراد أن يرينى كيف تتبدل الأقدار فى لحظة، وكيف يغير الله مسار الأيام بأمر واحد فقط. فبينما كنت أستعد نفسيًا للذهاب، شاء القدر أن يتعرض زوجى الغالى لحادث مفاجئ. كانت لحظات عصيبة لا يمكن وصفها، وتحول كل اهتمامى وخوفى إلى زوجى الذى تم نقله على الفور إلى مستشفى الشيخ زايد التخصصى نفسه. وهناك قرر الأطباء ضرورة احتجازه لإجراء جراحة عاجلة. فى تلك اللحظة أدركت كيف يمكن للحياة أن تقلب موازين الإنسان فى ثوانٍ معدودة. بالأمس كنت أذهب للمستشفى من أجل وداع فنان أحببته، واليوم أدخله وأنا أرتجف خوفًا على حبيبى وشريك عمرى.
مكثنا داخل المستشفى أربعة أيام كاملة بين القلق والدعاء والانتظار. وبينما نحن هناك، وصل جثمان الفنان الراحل إلى المستشفى نفسه. يا لها من مفارقة عجيبة! الشخص الذى تمنيت أن أُودعه وأقرأ له القرآن أصبح على بُعد خطوات منى، يفصل بيننا ممر قصير فقط، ومع ذلك لم أستطع الوصول إليه أو حضور أى شىء من مراسم الوداع.
وقفت أمام نافذة غرفة زوجى أراقب موكب الجنازة وهو يغادر المستشفى. رأيت المشهد بصمت موجع، واختلطت دموعى على زوجى المصاب بدموعى على رحيل الفنان الذى أحببته بصدق. كان الحزن مضاعفًا، والموقف كله يبدو كأنه مشهد مكتوب بعناية إلهية ليعلمنى شيئًا لن أنساه ما حييت.
فى تلك اللحظة فقط فهمت المعنى الحقيقى للقضاء والقدر. فهمت أننا مهما تمنينا، ومهما خططنا، فإن ما يريده الله هو الذى يحدث. كنت أظن أن القدر ساعدنى كى أقترب من لحظة الوداع، لكنه فى الحقيقة كان يقودنى إلى درس أعظم: أن الإنسان مُسيّر بأقدار الله، وأن كل خطوة فى حياتنا تجرى وفق حكمة إلهية لا نملك أمامها إلا الرضا والتسليم.
خرجت من تلك التجربة وأنا أكثر إيمانًا وهدوءًا. أدركت أن بعض الأبواب تُفتح لنا، وبعضها يُغلق، ليس لأننا نستحق أو لا نستحق، بل لأن الله وحده يعلم الخير الكامن خلف كل أمر. وربما كانت أعظم راحة يصل إليها الإنسان هى أن يسلّم قلبه لله، ويوقن أن ما كتبه الله لنا هو دائمًا الطريق الصحيح، حتى وإن بدا مؤلمًا فى البداية.
وهكذا علمتنى تلك الأيام القاسية أن القضاء والقدر ليسا مجرد كلمات نرددها، بل حقيقة نعيشها فى كل تفاصيل حياتنا، وأن الإنسان مهما ظن نفسه قادرًا على التحكم فى مصيره، يبقى دائمًا تحت رحمة تدبير الله وحكمته التى لا تخطئ أبدًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض