رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اﻟﺪم الحر

ﻣﻘﺘﻞ ﺷﺎب ﻟﺪﻓﺎﻋﻪ ﻋﻦ ﻓﺘﺎة ﺑﻮﻻق اﻟﺪﻛﺮور

بوابة الوفد الإلكترونية

فى بيت بسيط، كانت «أم عبدالرحمن» تتحرك كعادتها داخل المطبخ، تُجهز الطعام لابنها الذى اتصل بها قبل دقائق قليلة فقط، صوته كان مرهقًا من يوم عمل طويل لكنه يحمل تلك النبرة المطمئنة التى تحفظها جيدًا.

قال لها: «يا أمى حضريلى الأكل أنا جاى».. لم تكن تعرف أن تلك الكلمات ستكون الأخيرة، وأن ابنها الذى اعتاد العودة كل ليلة لن يعبر باب البيت مرة أخرى.

فى الشارع، وعلى بعد دقائق من المنزل، كان «عبدالرحمن» يسير عائدًا من عمله بعدما أنهى يومًا شاقًا، الشاب العشرينى الذى عرفه الجميع بالهدوء والاحترام لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يكن طرفًا فى مشكلة، لكنه وجد نفسه فجأة أمام موقف لم يستطع تجاوزه بصمت.

فتاة تتعرض للمعاكسة فى الطريق، ورجل خمسينى يضايقها أمام الناس.. توقف «عبدالرحمن» للحظة، ثم اقترب منه بهدوء وقال الجملة التى يرددها أهله الآن بحرقة:

«اعتبرها أختك أو بنتك»، جملة بسيطة خرجت بعفوية من شاب «دمه حر»، لكنها كانت كفيلة بأن تشعل غضب المتهم.

بحسب رواية أسرته، لم يتقبل الرجل حديث «عبدالرحمن»، وبدأ يسبه ويتطاول عليه، قبل أن يترك المكان للحظات، وقتها ظن الجميع أن الأمر انتهى، وأن الرجل غادر بعدما هدأت الأجواء، لكن بعد دقائق، عاد مرة أخرى.. عاد وهو يحمل مطواة.

تقول والدته بصوت مخنوق بالبكاء: «راح جرى على البيت وجاب مطواة.. ومن غير أى كلام سدد له طعنات فى قلبه»، لم يكن هناك مشاجرة كبيرة، ولا معركة كما يحدث فى أفلام الرعب، فقط لحظة واحدة تحولت فيها الشهامة إلى دم على الأسفلت.. شاب شهم

كل ذنبه أنه قال «عيب».

وتتابع الأم وهى تبكى: «هو كان بيقوله بس اعتبرها أختك.. أى بنى آدم محترم كان هيعمل كده».. «عبدالرحمن» سقط أرضًا بعد الطعنة، بينما حاول الموجودون إنقاذه ونقله إلى المستشفى، وفى تلك الأثناء كانت والدته لا تزال تنتظر عودته، تراقب الهاتف والباب بين لحظة وأخرى.

ثم جاء الاتصال الذى غيّر حياتها كلها.. تقول الأم: «أختى كلمتنى قالتلى الحقى ابنك فى المستشفى.. بس ما قالتليش إنه مات».. خرجت الأم مسرعة، وقلبها يسبق خطواتها، تحاول التمسك بأى أمل، لكن الحقيقة كانت أقسى من قدرتها على الاحتمال، ابنها الذى كان قبل دقائق يحدثها عن الطعام، أصبح جثة هامدة، وتقول بصوت متقطع: »قاللى أنا جاى.. بس ماجاش».

داخل المنزل، لا تزال صور «عبدالرحمن» معلقة كما هى، ولا تزال والدته غير قادرة على استيعاب فكرة غيابه، كانت تعتبره السند الحقيقى لها، الابن الـ«شايل البيت» رغم صغر سنه.

تقول عنه: «كان غلبان وطيب وحنين.. الدنيا كلها بتحبه، عمره ما أذى حد»، لم يكن «عبدالرحمن» صاحب مشاكل، بحسب أسرته وأصدقائه، بل كان شابًا يعمل بجوار دراسته ليساعد أسرته ويوفر احتياجات البيت.

شقيقه تحدث عنه بحرقة قائلاً: «كل ذنبه إن دمه كان حرا.. شاف بنت بتتعاكس فقال للراجل عيب»، ويضيف أن المتهم كان معروفًا فى المنطقة بسلوكه العدوانى، وأن الأهالى كانوا يخشون الدخول معه فى مشاكل، لذلك كان كثيرون يفضلون الصمت.

لكن «عبدالرحمن» لم يصمت.. «ما استحملش يشوف بنت بتتأذى ويسكت»، متابعا أن الجنازة التى خرجت لتشييع «عبدالرحمن» تحولت إلى مشهد حزين شارك فيه المئات من أهالى المنطقة، شبابا ورجالا وسيدات، جميعهم جاءوا لأنهم يعرفون جيدًا من كان «عبدالرحمن».

أحد أصدقاء الأسرة قال إن الحزن على «عبدالرحمن» لم يكن بسبب طريقة موته فقط، بل لأن الجميع كان يعرف أخلاقه وسيرته الطيبة «لو كان وحش ماكنتش الناس كلها زعلت عليه بالشكل ده».

تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم الذى اعترف بارتكاب الواقعة عقب القبض عليه.

ورغم كل ذلك، لا تزال والدة «عبدالرحمن» غير قادرة على تجاوز الصدمة.. تجلس أحيانًا أمام صورته وتحدثه وكأنه ما زال موجودًا «ما يسيبنيش لوحدى.. كان هو اللى شايلنى فى الدنيا».. ثم تعود لتردد الجملة نفسها التى لم تغادر شفتيها منذ رحيله: «حسبى الله ونعم الوكيل».