إطلالة
في وقتٍ تمر فيه الدولة بظروف اقتصادية دقيقة، تتجه فيه السياسات العامة إلى ترشيد الإنفاق وتوفير الموارد، يبرز تساؤل ملحّ حول أولويات بعض المؤسسات الرياضية، وعلى رأسها اتحاد الجمباز، الذي يواصل تنظيم بطولات دولية بتكلفة باهظة دون مردود يُذكر، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول جدوى هذه الفعاليات ومن يتحمل مسؤولية إنفاق ملايين الجنيهات في غير محلها.
فبينما تسعى الحكومة إلى تقليل فاتورة الاستيراد، وترشيد استهلاك الطاقة، وضبط الموازنة العامة، نجد أن اتحاد الجمباز برئاسة إيهاب أمين يصرّ على تنظيم كأس العالم للجمباز بشكل سنوي داخل مصر، رغم أن النتائج المحققة لا تتناسب إطلاقًا مع حجم الإنفاق الضخم الذي تتحمله الدولة. هذه البطولات، التي تتطلب تجهيزات هائلة، واستقبال وفود من مختلف دول العالم، وتوفير إقامة وتنقلات على أعلى مستوى، تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا، خصوصًا في ظل غياب العائد الفني أو الرياضي.
النتائج الأخيرة للبطولة تعكس بوضوح هذه الإشكالية، إذ خرج المنتخب المصري من منافسات الأيروبيك دون أي إنجاز يُذكر، بينما كانت الحصيلة في الجمباز الفني مجرد ميدالية فضية، وهي نتيجة لا ترقى إلى مستوى التوقعات ولا تبرر حجم الإنفاق. الأمر الذي يثير علامات استفهام كبيرة حول الهدف الحقيقي من الاستمرار في تنظيم هذه البطولات سنويًا، وهل هو تطوير اللعبة بالفعل أم مجرد استعراض شكلي يفتقر إلى التخطيط والرؤية.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الإنفاق فقط، بل تمتد إلى ما هو أخطر، وهو طريقة إدارة المنظومة داخل الاتحاد. فهناك اتهامات متكررة بوجود مجاملات في اختيار اللاعبين، حيث يتم الدفع بعناصر غير مؤهلة فقط لكونهم أبناء أو أقارب مسؤولين، في مقابل تهميش لاعبين موهوبين لا يملكون نفس النفوذ. هذه الممارسات، إن صحت، فهي تقوض مبدأ تكافؤ الفرص، وتؤدي إلى إهدار الطاقات الحقيقية التي كان يمكن أن تحقق نتائج أفضل بكثير.
وقد زاد من حدة الجدل حضور وزير الشباب والرياضة فعاليات البطولة الأخيرة، حيث عاين بنفسه ما وصفه البعض بـ"المهزلة"، سواء من حيث التنظيم أو النتائج. هذا الحضور يضع الوزارة أمام مسؤولية مباشرة، ليس فقط في التقييم، بل في اتخاذ قرارات حاسمة لضبط الأداء داخل الاتحاد ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات أو إهدار للمال العام.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة الآن: من يحاسب؟ ومن يراجع هذه القرارات التي تكلف الدولة ملايين الجنيهات دون عائد حقيقي؟ في ظل هذه الظروف الاقتصادية، لم يعد مقبولًا أن تُترك مثل هذه الملفات دون رقابة صارمة، أو أن تُدار بعقلية بعيدة عن معايير الكفاءة والشفافية.
إن تطوير الرياضة لا يتحقق بمجرد استضافة بطولات دولية، بل يحتاج إلى بناء قاعدة قوية من اللاعبين المؤهلين، وتوفير بيئة تدريب احترافية، واختيار عناصر فنية وإدارية على أساس الكفاءة لا العلاقات. كما أن استضافة البطولات يجب أن تكون جزءًا من خطة استراتيجية واضحة، تهدف إلى تحقيق مكاسب فنية واقتصادية، وليس مجرد عبء إضافي على ميزانية الدولة.
في النهاية، يبقى الأمل معقودًا على تدخل الجهات المعنية لإعادة تقييم هذا الملف بشكل شامل، ووضع ضوابط تضمن حسن استغلال الموارد، وتحقيق العدالة داخل المنظومة الرياضية. فالمسألة لم تعد مجرد بطولة تُنظم أو ميدالية تُحصد، بل تتعلق بثقة الجمهور في مؤسسات تُفترض أنها تعمل لصالح الوطن، لا أن تستنزف موارده في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى كل جنيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض