الحماية االجتماعية تنتظر حسم البرلمان
عاد ملف الفقر إلى واجهة النقاش تحت قبة مجلس النواب المصرى، مع تصاعد تساؤلات النواب حول أسباب تأخر إعلان أحدث البيانات الرسمية التى تعكس الواقع المعيشى للمواطنين. ففى ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتغيرات اجتماعية ملحوظة، تبدو الحاجة إلى مؤشرات محدثة أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى، بينما تعود الأرقام المتاحة لسنوات سابقة ولا تعكس التحولات العميقة التى طرأت على مستويات المعيشة.
مداولات اللجنة الاقتصادية أعادت طرح سؤال محورى: كيف يمكن صياغة سياسات الحماية الاجتماعية ومراجعة كفاءة الإنفاق العام فى غياب بيانات حديثة عن خريطة الفقر؟ وبين تأكيدات حكومية بأن التقرير تم إعداده ويخضع للمراجعة الفنية، وتحفظات برلمانية على طول فترة الانتظار، تتسع فجوة المعلومات التى يحتاجها كل من صانع القرار والمشرّع.
أكد حسام الغايش، خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية، أن البيانات الإحصائية الدورية، خصوصًا المتعلقة بمعدلات الفقر ومستويات المعيشة، تمثل البوصلة الأساسية لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وأوضح أن التأخر الممتد فى إعلان هذه البيانات لا يُعد خللًا إجرائيًا فحسب، بل ينعكس على دقة التخطيط، ويضع برامج الدعم أمام تحدٍ حقيقى فى استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة فى ظل موجات التضخم المتلاحقة وتراجع القوة الشرائية.
وأشار إلى أن السنوات الماضية شهدت تحولات اقتصادية حادة، من تحرير سعر الصرف إلى ارتفاعات قياسية فى الأسعار، ما غيّر خريطة الاحتياج داخل المجتمع. وفى ظل هذه المتغيرات، فإن الاستناد إلى بيانات قديمة قد يؤدى إلى توجيه الدعم بعيدًا عن مستحقيه، أو حرمان فئات جديدة دخلت بالفعل تحت خط الفقر دون أن ترصدها الإحصاءات الرسمية.
كما شدد على أن الدور الرقابى للبرلمان يعتمد أساسا على المعلومات التى توفرها أجهزة الدولة. وفى غياب تقارير حديثة، تتقلص قدرة النواب على تقييم الموازنات العامة ومراجعة فعالية برامج الحماية الاجتماعية، ما يضعف الرقابة البرلمانية ويؤثر على كفاءة الإنفاق الاجتماعى، ويقلل من مصداقية الخطاب الاقتصادى الرسمى لدى الرأى العام.
وأضاف أن الشفافية فى عرض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لم تعد ترفًا إداريًا، بل شرط أساسى لبناء الثقة بين المواطن والدولة، إذ يؤدى غياب المعلومة الدقيقة إلى مضاعفة حالة الضبابية ويجعل تقدير حجم المشكلة قائمًا على توقعات لا تستند إلى أرقام رسمية واضحة، ويبدأ الحل بإرساء التزام مؤسسى بدورية إصدار البيانات.
وقال الخبير الاقتصادى د. طاهر عبدالكريم، إن تأخر إعلان تقرير الفقر يأتى فى سياق يمكن فهمه من زاوية فنية وتنظيمية أكثر منه كونه دلالة سلبية؛ إذ تسعى الجهات المعنية إلى مراجعة دقيقة للبيانات، خاصة فى ظل اعتماد منهجيات أحدث مثل «الفقر متعدد الأبعاد»، التى تتطلب تدقيقًا أوسع وتقاطعات بين عدة قواعد بيانات لضمان أعلى قدر من الدقة. هذا التوجه يعكس حرصًا مؤسسيًا على تقديم صورة شاملة وموثوقة تعكس الواقع الاجتماعى بشكل أعمق.
وأضاف أن تأخر البيانات، وإن كان مؤقتًا، لا يغير من ثقة المؤسسات الدولية فى الاقتصاد المصرى، خاصة مع استمرار تنفيذ برامج الإصلاح وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة»، بل يمكن توظيف نتائج التقرير بشكل أكثر كفاءة فى إعادة توجيه الدعم وتحسين استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، وفى ضوء المتغيرات الاقتصادية وارتفاع التضخم عالميًا، ومن المتوقع حدوث تغيرات فى مؤشرات الفقر، لكن الأهم هو أن الدولة أصبحت تمتلك أدوات أدق للرصد والاستجابة، وهو ما يعزز من كفاءة السياسات الاجتماعية والتنموية فى المرحلة المقبلة.
وأوضح د. كرم سلام الخبير الاقتصادى الدولى، أنه رغم التأكيد الرسمى على الانتهاء من إعداد التقرير، فإن تأخر نشره قد يرتبط بعدة عوامل، أبرزها المراجعة الفنية والسياسية، لأن تقارير الفقر ليست مجرد بيانات، بل وثائق حساسة تؤثر على الرأى العام وثقة المؤسسات الدولية، ما يدفع إلى مراجعتها بدقة قبل النشر.
وأشار إلى أنه فى ظل موجات التضخم الأخيرة التى تجاوزت 30% فى بعض الفترات خلال 2023-2024، قد تكون النتائج أكثر حدة، وهو ما يتطلب معالجة تفسيرية دقيقة.
وأضاف أن تأخر إعلان تقرير الفقر ليس مجرد مسألة إجرائية، بل مؤشر على تعقيد الملف ذاته، وأن الحقيقة الأهم أن المواطن لا يعيش بالأرقام فقط، بل بجودة حياته، وهنا يكمن التحدى الحقيقى: تحويل البيانات إلى عدالة، والسياسات إلى كرامة إنسانية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض