نشتري اليوم.. وندفع غدًا| كيف ابتلع التقسيط حياة المصريين؟
لا يُقاس ثمن الأشياء بما تدفعه الآن، ولكن بما قد تضطر لدفعه لاحقًا، وبين عبارة "نفسي أجيب" وسؤال "هسدد إزاي؟"، يعيش ملايين المصريين على وعد غير مكتوب بأن الدخل القادم سيتكفل بالباقي، وتمضي الحياة بسرعة تفوق قدرة الجيوب على مجاراتها، ومع ذلك، لا يخلو الأمر من محاولات ذكية وحيل يومية تساعد على تدبير الاحتياجات ومواصلة السير.
دوامة التقسيط.. متى تتوقف؟
ومن السيارة إلى الموبايل لـ الأجهزة الكهربائية وجهاز العروسة يعيش المصريين في دوامة، لتوفير متطلباتهم، خاصة أن الكثير منهم يعاني من انخفاض الدخل وهو ما يستوجب البحث عن طرق أخرى بغية أن يتنفس الصعداء ويحصل على ما يريد، ولم يجد الكثير إلا طرق باب التقسيط وفقًا لسياسة البائع والتي تختلف من سلعة لأخرى.
صبري: مرتبي بقى قسط موبايل
وتبدأ الحكاية بصبري والذي يبلغ من العمر 25 عامًا عندما لاحظنا وقوفه أمام أحد محال الموبايلات بالوراق بالجيزة، وهو يجول بعينه بين الأنواع المختلفة ويقرأ الأسعار من الخارج، وعندما اقتربنا منه وجدناه يتحدث عن ارتفاع الأسعار والتي تستوجب أن يحصل على الهاتف المحمول بالقسط، حيث قال وهو يقلب في الهاتف: معقول مرتبي كله بقى على موبايل، يعترف أنه كان يعرف أن السعر أكبر من قدرته: أنا لو هشتري كاش مستحيل، ممكن أفضل سنة أو أكتر أجمع تمنه، وساعتها سعره يكون غلي أو بقى قديم، وهنا فضلت أن أحصل على الهاتف بالتقسيط على سنة بقسط 985 في الشهر، لينهي الكلام بتنهده تحمل الأسى: مش مشكلة هضغط نفسي شوية.
سهيلة: رحلة تجهيز العروسة عبء ثقيل
ومن جانبها تقول سهيلة محمود من أحد سكان الوراق بالجيزة، إن رحلة تجهيز جهاز العروسة تحولت من فرحة كانت تحلم بها إلى عبء ثقيل يطاردها كل يوم، فمع ارتفاع الأسعار وضيق الحال، وجدت نفسها مضطرة لشراء كل قطعة بالقسط، من الأثاث إلى الأجهزة الكهربائية، حتى أبسط المستلزمات، تضيف أنها كانت تتمنى أن تختار كل شيء بهدوء وسعادة، لكن القلق من تراكم الديون وضغط المواعيد جعل التجربة مرهقة نفسيًا قبل أن تكون ماديًا، ورغم ذلك، تحاول التماسك وإكمال ما بدأته، أملاً في بداية جديدة تعوضها عن كل هذا العناء.
أم محمد: محتاجة بوتاجاز والعين بصيرة.. بس الإيد قصيرة
وفي زاوية من الممكن أن نقول عليها منسية بأحد قرى صعيد مصر يجلس العم إبراهيم يبيع في الأجهزة الكهربائية، ويحصل على عمولة 30% من ثمن السلعة المتبقي، ويلجأ له العديد من سيدات القرية والرجال عند تجهيز أبنائهم ويعتبرون أن ذلك تقسيط مريح في ظل حالة الغلاء، حيث أخبرتنا أم محمد عن سبب اللجوء للتقسيط أن العين بصيرة بس الإيد قصيرة وهو المثل الشعبي الشهير الذي يعبر عن الحاجة ولكن الدخل لا يكفي للشراء.
الأسعار فوق قدرتي المالية
وتابعت أم محمد: منذ فترة تعرض البوتاجاز للتهالك تمامًا وكان قد يتسبب في حريق هائل بالمنزل، بعد أن أكلته البارومة من الأسفل، وقررت شراء آخر جديد وسألت على الأسعار وجدتها فوق قدرتي المالية، فقررت دفع مبلغ وتقسيط الباقي على سنة، وعندما حسبت القسط وجدته 720 جنيهًا شهريًا، ومن المكن أن أوفرها مقارنة لو اشتريت كاش، وهو ما دفعني إلى الذهاب للقسط بصراحة.
منى: بقيت بقبض علشان أسدد.. مش علشان أعيش
وفي شقة بسيطة بحي شبرا، تجلس منى، موظفة إدارية وأم لطفلين، وسط أجهزة منزلية كلها تقريبًا جاءت بالتقسيط، تحكي قصتها بهدوء: أنا ماكنتش ناوية أدخل في موضوع الأقساط بالشكل ده، بس كل مرة كنت بقول دي آخر حاجة، تبدأ الحكاية بغسالة: القديمة باظت، ومفيش رفاهية إني أستنى، قسطتها، ثم موبايل لابنها: الدراسة بقت معتمدة عليه، مقدرتش أرفض، ثم شاشة قسط صغير قلت مش هيفرق.
بدفع أكتر من نص المرتب أقساط
وأضافت: لكن الفارق ظهر سريعًا، لقيت نفسي بدفع أكتر من نص المرتب أقساط، وكل شهر نفس القلق: هل هكفي ولا لأ، تتنهد وتقول: بقيت بقبض علشان أسدد.. مش علشان أعيش، حتى لما بشتري حاجة لنفسي، بحس إني بعمل حاجة غلط ورغم ذلك، لا ترى بديلًا واضحًا: لو ماقسطتش.. هعيش بإيه؟.
ماهر: بطلع القسط ومصاريفي بالعافية
وأمام محطة مترو حلوان يقف ماهر سائق توك توك بجوار مركبته، والذي دفع منها مبلغ حوالي 150 ألف بالتقسيط، كان يراه فرصة لزيادة الدخل والذي بدأ حديثه قائلا:" قلت أزود دخلي وأشتغل عليه.. بدل ما أفضل تحت رحمة الشغل اليومي، في البداية، سارت الأمور كما خطط: كنت بطلع القسط ومصاريفي بالعافية.. بس ماشي، لكن مع تراجع الطلب: في أيام مفيش شغل خالص.. بس القسط لازم يتدفع، مفيش حد هيقولك معلش.
راهنت على بكرة.. بس بكرة مش مضمون
يتحدث محمد بقلق واضح: أنا مش خايف من الشغل.. أنا خايف من الالتزام، لأن الشغل بييجي ويروح، إنما القسط ثابت، ثم يضيف جملة تختصر الموقف: أنا راهنت على بكرة.. بس بكرة مش مضمون، وفي الحقيقة خايف دي فلوس ناس، بس مخليها على الله.
المعدل السنوي للتضخم الأساسي
جدير بالذكر تسارع المعدل السنوي للتضخم الأساسي الذي يصدره البنك المركزي المصري إلى 14% في مارس 2026 مقابل 12.7% في فبراير 2026، على أساس شهري، سجل معدل التغير في التضخم الأساسي 2% في مارس 2026 مقابل نحو 0.9% في مارس 2025 و3% في فبراير 2026، بحسب بيان من المركزي المصري.
التقسيط ليس مجرد نظام بيع
ورغم وجود وجوه مختلفة في الحكايات سالفة الذكر، إلا أنها تعد قصة واحدة رغم اختلاف الأشخاص، يجمعهم خيط واحد، وهو المحاولة للتكيف مع واقع اقتصادي ضاغط، باستخدام أداة تمنح الحل الآن، وتؤجل الثمن، وهنا التقسيط ليس مجرد نظام بيع، وإنما مرآة تعكس تحولات أعمق في المجتمع، في مفهوم القدرة، وفي شكل الطبقة الوسطى، وفي العلاقة بين الحلم والإمكانيات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







