رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الروائى والدبلوماسى عز الدين فشيرلـ«الوفد»: السلطة الأخطر لا نراها.. وتعيش داخل تفاصيل حياتنا

بوابة الوفد الإلكترونية

المثقف فى صورته الحاضرة جزء من الأزمة

الرواية ليست بديلًا عن السياسة.. لكنها تكشف ما تخفيه

الواقعية السياسية ليست خيارًا بل شرط للبقاء ونفشل لأننا نرفض مراجعة مسلماتنا

 

بين أول محاولة لإجراء هذا الحوار قبل نحو عشرة أعوام، حين لفتت روايته «باب الخروج» انتباهى ودفعتنى للسعى إلى محاورته، وبين اليوم، جرت محاولات عديدة، ظل خلالها يعتذر بلطف؛ بسبب انشغالاته وتنقلاته المستمرة، حتى تحقق الحوار منذ أيام، وهو ما أقدره له وأثمنه كثيرًا.
من إقامته فى الولايات المتحدة، حيث يدرّس فى كلية «دارتموث» بالقرب من «بوسطن»، يطل عزالدين شكرى فشير على العالم بخبرة تمتد بين الأدب والدبلوماسية، وبين النظرية الأدبية والواقعية السياسية.
فى هذا الحوار، لا يقدم «فشير» إجابات مريحة، بل يضع كثيرًا من المسلمات تحت الاختبار؛ فالحقيقة ليست واحدة كما نتصورها، والسلطة لا تمارس نفسها فقط من أعلى، بل تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، والمثقف فى صورته الراهنة ليس خارج الأزمة كما يحب أن يظن، بل هو جزء منها.
على امتداد مسيرته، تنقل عزالدين شكرى فشير بين عواصم عديدة، من الخرطوم وعمان وبيروت ودمشق، إلى تل أبيب والقدس وغزة والقاهرة ونيويورك، جامعًا بين العمل الدبلوماسى والخبرة الأدبية، بينما امتد تكوينه الأكاديمى إلى باريس وأوتاوا ومونتريال. هكذا تتشكل رؤيته عند تقاطع الجغرافيا مع الفكر، والتجربة مع التأمل.
< حين تبدأ الكتابة.. ما الذى يقودك أولًا؛ الشخصيات أم الظروف التى تحاصرها؟
<< القصة، الحدوتة، الحدث الرئيسى، ثم الشخصيات بظروفها، لا تجد شخصيات بلا ظروف، على الأقل فى مخيلتى.
< هل ترى أن الصراع الداخلى هو المحرك الحقيقى للسرد لديك، أكثر من الأحداث الخارجية؟
<< الاثنان؛ الصراع الداخلى، والصراع بين الشخصيات، يحتاج لأحداث أو مواقف يدور من خلالها. لكن كما قلت، لا ضرورة لأن تكون تلك الأحداث كبيرة أو درامية. بطلة فرجينيا ولف ذاهبة مع عائلتها إلى الفنار، أبطال غرفة العناية المركزة قابعون تحت الأنقاض ينتظرون الإسعاف الذى لا يجيء، أبطال «عناق عند جسر بروكلين» ذاهبين إلى حفلة عشاء لن تتم، هذه ليست أحداثًا متلاحقة أو مثيرة، معظمها انتظار وترقب، لكنها مواقف تستدعى الصراع الداخلى والصراع بين الشخصيات وتسمح لنا بأن نراه.
< السلطة فى نصوصك غالبًا غير مرئية لكنها حاضرة فى التفاصيل، هل أهم أشكالها هو ما يندمج فى الحياة اليومية دون أن يُلاحظ؟
<< بكل تأكيد.. وما يجعل هذا الشكل مهمًا أن الناس لا تلاحظه عادة، أو تأخذه باعتباره جزءًا اعتياديًا من الحياة. حين تنجح السلطة فى جعل نفسها غير مرئية، اعتيادية، جزءًا طبيعيًا من الأشياء، تكون قد حققت أكبر نجاحاتها. مهمة الكاتب النقدى، فى رأيى، تسليط الضوء على ما يراه الناس اعتياديًا وطبيعيًا ووضعه محل التساؤل. والسلطة بالطبع، فى مقدمة هذه الأشياء، كونها حاضرة فى كل جوانب حياتنا بل وتصوغ شروطها، وكونها أيضًا تتعدى الأماكن التى نقرنها عادة بالسلطة، كالحكومة، الشرطة، الخ.. وتملأ كل تلك الأماكن التى نظنها بعيدة عنها، كالعائلة، والحب، والإبداع، والتفكير.
< هل تعتقد أن الرواية اليوم أصبحت بديلًا عن خطاب عام غائب أو مقيد، أم أنها ما زالت مساحة موازية فقط؟
<< لا أظن أن الرواية بديل عن أى شيء. ربما يلجأ البعض لها كمتنفس حين يضيق المجال العام، لكن هذا عادة لا ينتج روايات عظيمة. الرواية نوع مستقل بذاته من التعبير، لا مساحة موازية ولا بديل ولا أداة ولا رسالة.
< فى كتابك «على فين يا مصر؟»، جذور المشكلة ومتطلبات النجاح، تطرح مسارًا إصلاحيًا تدريجيًا، ما الشرط السياسى الأهم الذى يجعله ممكنًا فى الواقع؟
<< الشرط الأساسى، كما أقول فى خاتمة الكتاب، أن نعيد النظر فى مسلماتنا وفى فهمنا لمشاكلنا ولعلاقتنا بالعالم. الخيارات السهلة والمعتادة فشلت فى الماضى، وستفشل فى المستقبل. لو كانت النهضة سهلة لحققناها منذ زمن، ولو كان إقصاء الأطراف التى نكرهها ممكنًا لانتصرنا وأقصيناهم منذ زمن. لكن لا هذا ولا ذاك فى متناول اليد. ومن ثم إما أن نعيد النظر فى كل ما نقوله لأنفسنا وفى أفكارنا حول الأزمة وحلولها، ونبنى شراكة جديدة تمكننا من الانتقال إلى طريق النهضة والحكم الرشيد، وإما أن نواصل حياتنا كمجتمع تابع متفسخ، يعيش فى كنف دولة تحاول الطفو على السطح فتنجح حينًا وتخفق أحيانًا.
< بحكم عملك الدبلوماسي؛ بما فى ذلك فترة خدمتك فى تل أبيب، كيف أثّرت هذه التجربة المباشرة على فهمك لطبيعة الصراع، وعلى تصورك لفكرة «الواقعية السياسية» التى تظهر فى كتاباتك؟
<< فهمى للصراع العربى الإسرائيلى وللقضية الفلسطينية لا ينبع من خبرتى فى العمل الدبلوماسى فحسب، سواء فى تل أبيب أو بيروت أو دمشق أو عمان أو القاهرة، فى الخارجية المصرية وفى الأمم المتحدة، بل من سنوات طويلة من القراءة والبحث والتدريس والاستماع والنقاش مع أناس من مختلف المشارب والمآرب. الواقعية السياسية التى أتبناها هى فى رأيى المنهج الأقرب لحماية الحقوق والمصالح، ومفتاح التقدم للأمام. البديل عن الواقعية السياسية هو انكار الواقع والعيش فى الأحلام التى لا تتحقق أبدًا، أو إدمان الهزائم باسم الصمود والحزن النبيل. الواقعية السياسية تعنى التعامل مع الواقع الذى نعيش فيه، ورسم طريق يأخذنا إلى حيث نريد ونحلم، لكنه طريق على هذه الأرض التى نحيا فيها، وحتى لو أردنا الطيران فعلينا الأخذ بالوسائل التى تمكننا من الطيران، لا الجرى نحو أقرب نافذة والقفز منها.
< إلى أى مدى ترى أن المثقف شريك فى الأزمة، لا مجرد شاهد عليها؟
<< «المثقف» فى صورته الشائعة، هو جزء من الأزمة. كل ما فى الأمر أن لديه قدرة أفضل من غيره للتعبير، ويستخدمها لإلقاء مسئولية الأزمة على غيره وصياغة حلول لها تناسبه، حلول لا تطلب منه الكثير، لا تحاسبه، بل عادة ما تعطيه مكانة متميزة، وطبعًا لا يلتفت أحد لوصفاته هذه، وتستمر الأزمة وتتفاقم فى حين يتحول المثقف لأداة شجب وتنديد وعديد وعويل بدلًا من أن يكون منبعًا لحلول حقيقية وواقعية تأخذ المجتمع بعيدًا عن دوامة الأزمات نحو حياة أكثر توازنًا.
< رواياتك تبدو مشدودة دائمًا إلى حافة التوتر، هل هذا نابع من طبيعة العالم الذى تكتب عنه، أم من الطريقة التى ترى بها هذا العالم؟
<< ربما يكون هذا التوتر نابع من تفضيلاتى الروائية، فأنا لا أريد قراءة رواية بطيئة الإيقاع رواية عن النهر الساكن أو تأملات شخصية جالسة فى الظلام تنعى الأحلام التى لا تتحقق. أريد قراءة رواية عن شىء يحدث، ليس بالضرورة أن تكون الأحداث عنيفة أو متلاحقة أو مثيرة. رواية فرجينيا ولف «إلى الفنار» مثلًا من أفضل ما قرأت، أحداثها قليلة جدًا، لكنها مشحونة بالتوتر، هذا التوتر مكون أصيل فى الروايات التى أحبها، وأنا أجتهد لكتابة رواية أحب قراءتها.
< شخصياتك كثيرًا ما تعرف الحقيقة لكنها لا تتصرف بناءً عليها، هل هذه مفارقة إنسانية، أم توصيف لبنية أوسع من الفرد؟
<< شخصياتى ترى الحقائق لكنها لا تراها كاملة، أو لا تدركها على حقيقتها، وتتصرف وفقا لما يمليه عليها وعيها، بقيوده وتشوهاته وأوهامه وأحلامه، مثلنا جميعًا. لو كانت الحقائق واضحة جلية للجميع إلى هذا الحد، لما كان هذا حال البشرية، البعض يظن أن الحقيقة واضحة، وأن الناس تنقسم لخيريين وشريرين، أو لأناس يتبعون الحق وآخرين يتبعون الباطل. ماذا لو كان الأمر أعقد من ذلك؟ ماذا لو كان الناس جميعًا يعتقدون أنهم خيريون، وأنهم يتبعون الحق ويأنفون الباطل وينأون عن الظلم، لكنهم فى نفس الوقت يختلفون فى تحديد الحق والباطل، مهما تحاوروا وتجادلوا؟ المأساة الحقيقية ليست فى انتصار الباطل على الحق أحيانًا، بل فى عدم قدرتنا كبشر على رؤية أيهما أو الاتفاق على ما نراه. والكتابة عن المأساة الإنسانية، من الأدب الإغريقى إلـى اليوم، تفترض أن الناس، كلها، لا ترى الحقيقة كلها، وتتصرف بناء على ما تتصور، وتتوهم، أنها تراه، والذى يبدو لها حقيقيًا تمامًا.
< فى رواية «باب الخروج»، هناك إحساس قوى بأن المستقبل ليس مجرد امتداد للحاضر، بل نتيجة تراكمات معقدة، كيف تبنى هذا الإحساس زمنيًا داخل النص؟
<< أولًا يجب التذكير بأن المستقبل ليس الحاضر بعد يومين أو سنتين، المستقبل شكل جديد، يولد من تفاعلات الحاضر، ويختلف عنه كثيرًا، وأحيانا بشكل مفاجئ. عندما تقوم ثورة، أو تندلع حرب، أو تتغير العادات والقيم والثقافات، فإن هذه التغيرات العميقة تكون نتيجة لتفاعلات سبقتها، بذورها وشواهدها موجودة فى الماضى. أحيانا نلاحظ هذه الشواهد وأحيانًا تغيب عنا، أو لا نعطيها الأهمية التى تستحقها. وهذا هو الفارق بين من يقرأ الواقع جيدًا وبين من يقرأه على عجل، أو وفقًا لأحلامه وأهوائه. ثانيا، الراوى يحتاج لأن يجعل القارئ يرى بنفسه هذه التغيرات والتحولات، لا أن يحكيها مباشرة. مضى الوقت الذى يقول فيه الراوى «ثم مضت الأيام والسنون وتبدلت الأحوال»، الرواية تحتاج لزرع بذور التغير وشواهده، وريها مع الوقت حتى تكبر، ثم تبدأ فى التبلور والوقوع، بحيث «يعيش» القارئ هذه التحولات.
< «غرفة العناية المركزة»، المكان محدود جدًا، لكن العالم يبدو واسعًا مضطربًا، كيف تصورت لمكان ضيق أن يحمل كل هذا الثقل الإنساني؟
<< و«فيك انطوى العالَم الأكبر؟»، المكان لا يتسع أو يضيق بمساحته، بل بشحنة الوعى التى يحملها. قرأت وأنا صغير رواية مترجمة اسمها «اليقظ»، عن محكوم عليه بالإعدام ليلة تنفيذ الحكم، لا أذكر تفاصيلها لكنى أذكر كيف حملت العالم كله بينما تدور داخل عقل شخص على وشك الموت قابع فى زنزانة ضيقة. وعينا قادر على تجاوز المكان وقيوده، وأحيانا ضيق المكان يطلق العنان للوعى بشكل أكبر. اسألى أى شخص دخل السجن، أو فقد البصر أو القدرة على الحركة. وشخصيات غرفة العناية المركزة، القابعة تحت الأنقاض من أول الرواية لآخرها، تنطلق بلا قيود سوى تلك التى يضعها وعيها عليها. الوعى هو ما يحدد درجة حريتنا وقيودنا، أكبر بكثير من الظروف المادية.
< فى «جريمة فى الجامعة»، تبدو الجريمة عرضًا لأزمة أعمق أخطر، هل الجامعة هنا نموذج مصغر للمجتمع، أم كيان له منطقه الخاص؟
<< أعتقد أنها نموذج مصغر للمجتمع فى مصر، ونموذج مصغر للعالم العربى وعلاقاته، وأيضًا كيان له منطقه الخاص. ليست الجريمة فى حد ذاتها هى النموذج، بل الرواية كلها؛ الجامعة بشخصياتها وصراعاتها ومؤامراتها وأحلامها وأوهامها، وعلاقة شخصياتها وكياناتها بالأمن وبالعالم من حولها، وادعاءات الجامعة النبيلة وواقعها البعيد عن هذه الادعاءات، وعلاقات القوة والسلطة والثروة فيها، والخسة الإنسانية والنبل، والحب، والأمل، كل هذا ليس حصرًا على الجامعة وليس مرتبطًا بالجريمة فى حد ذاتها. الجريمة، والتحقيق فيها، مجرد حدث يسمح لكل هذه التفاعلات بأن تجرى أمام القارئ.
< هل الكتابة بالنسبة لعزالدين فشير فعل مقاومة، أم محاولة للفهم، أم طريقة لقول ما لا يُقال؟
<< الكتابة هى الفعل الرئيسى فى حياتى، فيها أقاوم ما لا أحبه، أقول ما أريد- سواء كان «يقال» أم لاــ أعيد صياغة الحياة والأشياء، أرسم عوالم أخرى؛ خوفًا أو تمنيًا، وألعب، بما فى ذلك ممارسة الانتقامات الصغيرة التى لا معنى لها إلا فى خيالى. ولكن أفعل كل ذلك مع مراعاة شروط الجمال التى تجعل الرواية نصًا يريد الناس قراءته ويستمتعون به.