تعرف علي فضل وأهمية وحقيقة الزهد في الدنيا
حقيقة الزهد في الدنيا قال سيدنا رسول الله ﷺ وعلَّمنا الزهد في هذه الحياة الدنيا، وأن نوجِّه هذا الزهد للآخرة، بأن نجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، لعبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس. ومعنى الزهد أيضًا أنه ليس هو الفقر؛ فإن الزاهد يزهد عن وجود، فلابد أولًا أن تكون الدنيا معه، أما الذي ليس معه شيء، ففيم يزهد؟ هو أصلًا لا يملك شيئًا.
و قال الدكتور علي جمعة لذلك يروي أهل التربية قصة رجلٍ ذهب يعتزل الناس، معتقدًا أن العزلة، وترك الحياة الدنيا، وعمارة الأرض، سيمكنه الله بها من الخلو بنفسه، وذكر الله، والتدبر، والتأمل، وأن يكف شره عن الناس، ويكف عن نفسه شر الناس. فذهب إلى مكان بعيد في الصحراء، أو بجوار نهر معزول، وجلس يعبد الله سبحانه وتعالى، كشأن العُبّاد في العصور الأولى التي كانت قبل الإسلام. وكان له أحد التلاميذ يتردد عليه، ويخدمه فيما يحتاج إليه.
فقال له في مرة: أنت تنزل المدينة؟ قال: نعم. قال: هذا عنوان أخي في الله؛ كنا سويًا في طلب العلم، وكنا سويًا في الحياة الدنيا، إلى أن اعتزلت أنا هنا في ذلك الشِّعب من شعاب الجبال، فاذهب إليه، وسلِّم عليه، وقل له: إن أخاك فلانًا يرسل إليك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويطلب منك الدعاء.
وهذه القصة تبين معنى الزهد الحقيقي، وأنه أمر متعلق بالقلب وبالسلوك، وليس متعلقًا بالرسوم والشعائر.
فلما نزل الطالب المدينة، وذهب إلى العنوان المقصود، فوجئ بأنه أمام قصر منيف، له حدائق غنَّاء، مما يدل على أن هذا الرجل إما أن يكون ملكًا، وإما أن يكون ثريًا، وإما أن يكون وجيهًا. فسأل عنه، فقيل له: إنه في عمل، وسيأتي بعد قليل. فلما جاء، جاء راكبًا فرسًا، وحوله الحشم والخدم، في هيئة عجيبة. فدخل، ثم قال: نعم، أيها الضيف العزيز، أكرموه.
قال: أنا أتيتك من أخيك فلان المعتزل في شِعب الجبل، وهو يرسل إليك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام.
قال: بلِّغه مني السلام، وقل له: يا فلان، أما آن لك أن تُخرج الدنيا من قلبك؟
فاغتاظ الطالب، وقال في نفسه: عن أي دنيا يتكلم؟! أستاذي الذي في شِعب الجبال الدنيا موجودة في قلبه؟! وهذا الرجل الذي في القصر المنيف، وحوله الحشم والخدم، يقول هذا الكلام؟!
فلما عاد، قال له شيخه: هل أوصلت الرسالة؟
قال: نعم، ولكنني غير سعيد، وقد قال لي: أُخبرك رسالة، ولكني لا أستطيع أن أقولها.
قال له: بل تكلم.
قال الطالب: يقول لك: أما آن لك أن تُخرج الدنيا من قلبك؟
فبكى الشيخ، وقال: صدق.
قال الطالب متعجبًا: صدق؟
قال له: والله يا بني، وأنا أصيد السمكة أخاف: هل ستخرج أم لا؟ وأنا متعلق بها. وعندما أنام أخاف: هل يأتي ثعبان أو عقرب فيلدغني أم لا؟ وعندما أجوع أخاف أن يتأخر عليَّ الأكل؛ فالدنيا في قلبي.
إذن، فوجود الدنيا في القلب ليس بقلة الحيلة، ولا بقلتها في اليد، بل هذا أمر قلبي.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [البخاري].
يعني: تعامل مع الدنيا على أنك غريب فيها، وأنك ضيف فيها. والذي يتعامل معها بهذا الشأن تكون عينه دائمًا على الآخرة، وهذه العين التي على الآخرة تتحكم في سلوكه؛ فلا يظلم أحدًا، ولا يأخذ رشوة، ولا يسرق، ولا يغتصب أرضًا ولا عرضًا. إذن، فالتعلق بالآخرة يمنع الإنسان، ويحميه من كل هذه المصائب.
فاللهم أخرج الدنيا من قلوبنا، واجعلها في أيدينا، ومكِّنَّا منها، ثم ارزقنا حسن التصرف فيها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض