رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في مجتمعاتنا، يظن بعض الناس أن النجاح الاجتماعي يعني أن تكون قريبًا من الجميع، وأن تفتح بابك لكل أحد، وأن تحتفظ بخيط يصلك بكل الأطراف مهما تناقضت طباعهم واختلفت قيمهم.. يظنون أن من لا يخسر أحدًا هو الأذكى، وأن من يجمع المتناقضات حوله هو الأكثر مهارة، لكن الحقيقة كثيرًا ما تكون عكس ذلك تمامًا.
 فليس كل اتساع نجاحًا، وليس كل كثرة قوة، وليس كل حضور بين الناس مكانة؛ هناك من يبدو محاطًا بالجميع، لكنه في العمق لا يملك موضعًا صادقًا عند أحد.. وهناك من يصافح الجميع، لكنه لا يحظى بثقة أحد.

 حين يصاحب الإنسان أصحاب الخير ورفقاء السوء في الوقت نفسه، ويجلس مع صاحب المبدأ كما يجلس مع صاحب الانتهازية، ويحاول أن يرضي الجميع بلا معيار! فإنه لا يكسب الجميع كما يظن، بل يبعث إليهم برسالة صامتة تقول إنه بلا موقف واضح.

 أصحاب القيم ينظرون إليه بحذر، لأنهم لا يطمئنون لمن يساوي بين النقيضين. وأصحاب السوء لا يحترمونه؛ لأنهم يرون فيه شخصًا قابلًا للتشكل وفق المصلحة.. أما الآخرون، فيقتربون منه وقت الحاجة، ويبتعدون عنه حين تنتفي المنفعة.

 وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية، فهو يظن أنه كسب الناس، بينما خسر العمق معهم.. كسب الوجوه، وخسر القلوب، كسب المجاملة، وخسر الاحترام، كسب الزحام، وخسر السند ساعة الشدة.

 المشكلة أن بعض الناس يخلطون بين الطيبة وبين غياب المعايير، وبين التسامح وبين التنازل عن البوصلة، وبين الذكاء الاجتماعي وبين التلون، والحياة لا تخدعها الأقنعة طويلًا، لأن المواقف الكبرى تكشف المعادن، وعند أول اختبار يظهر الثابت من المتلوّن.

 وحين يصبح صاحب اللاموقف هو المقبول، وفاقد المعيار هو المرن، وعديم الهوية هو الاجتماعي.. تختل البوصلة، ويصبح الزيف مهارة.

 المجتمع كله يدفع ثمن انتشار هذا النموذج؛ فحين تضيع الحدود بين الصالح والطالح، وبين الشريف والانتهازي، يعتاد الناس الرمادي حتى ينسوا معنى الوضوح، ويصبح الصدق قسوة، والثبات تشددًا، والمجاملة الزائدة ذكاءً.

 وهنا؛ لا أعني الدعوة إلى القطيعة، ولا إلى العداء مع الناس، ولا إلى التعالي على أحد؛ لكن هناك فرقًا كبيرًا بين احترام الجميع وبين الانتماء للجميع، فرق بين حسن المعاملة وبين الذوبان في كل دائرة، فرق بين المرونة وبين فقدان الشخصية.

 ليس مطلوبًا أن يحبك الجميع، فهذا مستحيل.. وليس مطلوبًا أن تُرضي الجميع، فهذا استنزاف لا نهاية له؛ المطلوب فقط أن تعرف من أنت، وأين تقف، وما الذي تقبله، وما الذي ترفضه.
 فمن عرف نفسه؛ لا يحتاج إلى التمثيل أمام الناس، ومن ثبت على قيمه، قد يخسر البعض مؤقتًا، لكنه يكسب احترامه أولاً، ثم احترام من يستحق.

 أما من أراد أن يكون صاحب الكل؛ فقد ينتهي وحيدًا.. لأن الاحترام لا يُبنى على كثرة العلاقات، بل على وضوح الموقف.