م الآخر
شهد سوق الصرف المصرى خلال الأسابيع الأخيرة تحولات لافتة، عكست بوضوح مدى مرونة سعر الصرف وقدرته على تحمل الصدمات الخارجية، فبعد تجاوز الدولار 54 جنيها، عاد ليتراجع إلى حدود 51 جنيهًا، فاقدًا أكثر من نصف المكاسب التى حققها منذ اندلاع الحرب على إيران فى نهاية فبراير 2026.
وهذا التراجع جاء بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، والذى أدى إلى خروج ملحوظ للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية، ثم العودة نحو التهدئة ووقف العمليات العسكرية، وهو ما أعاد جزءًا من الثقة إلى الأسواق الناشئة ومنها مصر.
فى ذروة الأزمة، تعرض الجنيه لضغوط قوية نتيجة استمرار تخارج المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلى، ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار، وقوة الدولار عالميًا، مدفوعة بتراجع توقعات خفض الفائدة الأمريكية، فى تعميق الضغوط على العملة المحلية. هذه العوامل مجتمعة دفعت سعر الدولار إلى مستويات تجاوزت 54 جنيها للدولار.
ولكن مع بوادر التهدئة الإقليمية وتصريحات ترامب بإنهاء الحرب على إيران ولبنان، انعكس على تراجع حدة المخاطر، ما شجع عودة تدريجية لتدفقات الأجانب إلى أدوات الدين الحكومية وسوق المال. هذه العودة، وإن كانت لا تزال حذرة، تمثل عنصرًا حاسمًا فى دعم موارد النقد الأجنبى.
إلى جانب ذلك، فإن استعادة الاستقرار الإقليمى تحمل آثارًا إيجابية أوسع على مصادر النقد الأجنبى التقليدية. فمن المتوقع أن تتحسن إيرادات قناة السويس مع عودة حركة التجارة العالمية إلى طبيعتها، كما يتوقع انتعاش قطاع السياحة، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، فضلًا عن تحسن تحويلات المصريين العاملين بالخارج. هذه العوامل تزيد من موارد مصر الدولارية مما يزيد من قوة الجنيه أمام الدولار، خاصة فى ظل احتياطى من النقد الأجنبى يقترب من 54 مليار دولار.
وما حدث يؤكد قدرة سعر الصرف المرن على تحمل الصدمات الخارجية، واستقرار التضخم، ويبقى السؤال: ماذا لو طال أمد الحرب؟
السيناريو خطير خاصة أن الشارع يتساءل: الحرب فى إيران فلماذا نتأثر كل هذا التأثير ويعم الظلام علينا؟
ودون أن نعرض الأسباب، يجب أن نقدم الحلول التى تجعل الاقتصاد المصرى قادرا على تحمل الصدمات الخارجية والتى سوف تتكرر كثيرا وربما تقترب منا فى السنوات القادمة.
وفى هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك حكومى أكثر عمقًا، يرتكز على تسريع وتيرة التصنيع المحلى، وتعزيز الصادرات ذات القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، إلى جانب تقليل الاعتماد على الاستيراد غير الضرورى. كما ينبغى العمل على جذب استثمارات أجنبية مباشرة طويلة الأجل بدلًا من الاعتماد على الأموال الساخنة، مع تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات.
ختامًا، إذا أرادت الدولة تجنب تكرار أزمة الدولار، فعليها أن تتحرك بشكل حاسم نحو بناء اقتصاد إنتاجى قادر على توليد النقد الأجنبى بشكل مستدام، من خلال دعم الصناعة والتصدير، وتعميق المكون المحلى، وتعزيز ثقة المستثمرين فى استقرار السياسات الاقتصادية. بدون ذلك، سيظل سعر الصرف عرضة للصدمات الخارجية، مهما تحسنت الأوضاع مؤقتًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض