حكم إطعام غير المسلم من لحم الأضحية
يعد إطعام غير المسلم من لحم الأضحية هو أمر مشروع على وجه الاستحباب؛ لأنه من البر الذي أمر به الشرع ورغَّبَ فيه ودعا إليه، وهو حقٌّ من حقوق الجار على جاره، والاستمرار على فعل ذلك والمداومة عليه يورث بينكم التآلف والصفاء وإرساء روابط التآخي والتعاون، وبث روح الوطنية والتكاتف، وحسن العشرة والجيرة وتقوية الروابط الإنسانية وزيادة الألفة والمحبة.
إطعام غير المسلم من لحم الأضحية
وقد حثَّ الشرع على كل عمل أخلاقي يوطد العلاقات بين الناس بعضهم البعض، وينشئ بينهم روح التعايش والتعاون والمحبة والمؤازرة في وجوه الخير المختلفة، والترغيب في التزاورِ والتوادِّ والتهادي بينهم، من غير نظرٍ إلى دين أو جنس أو لون، وإهداء غير المسلم وبره وإطعامه هو أمر مشروع ثبتت مشروعيته بعموم نصوص الكتاب والسنة المشرفة، واشتهر به الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ونصَّ عليه العلماء المعتبَرون.
مفهوم الأضحية وحكمها
الأضحية هي: اسم لما يذبح من الإبل والبقر والغنم، يوم النحر وأيام التشريق، تقربًا إلى الله تعالى، والأصل في مشروعيتها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 1-2]، وما رواه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِكبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا".
والأضحية سنةٌ مؤكدةٌ في حق كل مسلم قادر موسر، وهذا ما عليه الفتوى، وهو الراجح من أقوال الفقهاءِ ومذهب جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 385، ط. دار الفكر) في بيان أحكام الأضحية: [مذهبنا: أنها سنة مؤكدة في حق الموسر ولا تجب عليه، وبهذا قال أكثر العلماء، وممن قال به: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدري رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر، وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنًى، وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة: أنه إنما يوجبها على مقيمٍ يملك نصابًا.. وأما الجواب عن دلائلهم؛ فما كان منها ضعيفًا: لا حجة فيه، وما كان صحيحًا: فمحمول على الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة] اهـ.
السنة في تقسيم لحم الأضحية
من السنة أن يأكل المضحي من أضحيته، ويطعم أهله ومعارفه، ويهدي أقاربه وجيرانه منها، ويدخر لنفسه وعياله إن شاء؛ فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» أخرجه البخاري في "الصحيح" واللفظ له، وأخرجه الترمذي في "السنن" من حديث بُريدة رضي الله عنه وقال: "حديث بريدة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم".
هذا، وقد نص على جواز الأكل والإطعام والادخار من الأضحية أئمة المذاهب المعتبرة؛ كما في "تكملة البحر الرائق" للعلامة الطوري الحنفي (8/ 203، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"الفواكه الدواني" للعلامة النفراوي المالكي (1/ 383، ط. دار الفكر)، و"الحاوي الكبير" للإمام الماوردي الشافعي (15/ 75، ط. دار الكتب العلمية)، و"كشاف القناع" للعلامة البهوتي الحنبلي (3/ 22، ط. دار الكتب العلمية).
حكم إطعام وإهداء غير المسلم من لحم الأضحية
نص جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على مشروعية إطعام غير المسلم من الأضحية وإهدائه شيئًا من لحمها؛ وهو المروي عن الحسن البصري، وأبي ثور؛ كما في "المحيط البرهاني" للعلامة ابن مازه الحنفي (6/ 94، ط. دار الكتب العلمية)، و"الفتاوى الهندية على مذهب الحنفية" (5/ 300، ط. دار الفكر)، و"الذخيرة" للإمام القرافي المالكي (3/ 369، ط. دار الغرب الإسلامي)، و"المختصر الفقهي" للإمام ابن عرفة المالكي (2/ 357، ط. مؤسسة خلف)، و"المجموع" للإمام النووي الشافعي (8/ 425، ط. دار الفكر)، و"الغرر البهية" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي (15/ 17، ط. المطبعة الميمنية)، و"المغني" للإمام ابن قدامة الحنبلي (9/ 450، ط. مكتبة القاهرة)، و"معونة أولي النهى شرح المنتهى" للعلامة ابن النجار الحنبلي (4/ 303، ط. مكتبة الأسدي).
ومشروعية إطعام غير المسلم من الأضحية أو إهدائه بعض لحمها هو المتفق مع ما قررته الشريعة الإسلامية وجاءت به ودعت إليه؛ إذ إنَّها دعت إلى الرحمة والبر والصلة، فأَمَرَت بالإحسان إلى الإنسان، وسعت إلى تقوية الروابط الإنسانية والاجتماعية بين المسلم وغير المسلم، ودعم التكافل بين الناس كافة لا بين المسلمين خاصة، وحثت على كل عمل أخلاقي يوطد العلاقات بين الناس بعضهم البعض، وينشئ بينهم روح التعايش والتعاون والمحبة والمؤازرة في وجوه الخير المختلفة، والترغيب في التزاورِ والتوادِ والتهادي بين جميع الناس، من غير نظر إلى دين أو جنس أو لون، وأخبرنا سبحانه وتعالى بأنه لا ينهانا عن بر غير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهدية منهم.. وما إلى ذلك من أشكال البر بهم، بل يأمرنا بذلك كله ويرغِّبنا في امتثاله؛ فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9].
فهذه الآية تضع أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم أيًّا ما كانت أديانهم؛ فترسخ مبدأ العدل والإنصاف والمعاملة بالمثل، وتجعل ذلك سمة أساسية للتعامل مع المسلم وغير المسلم، وتدعو إلى البِرّ الذي هو "الاتِّساعُ في الإحسان، والزّيادةُ فيه"؛ كما قال الإمام الأزهري في "تهذيب اللغة" (15/ 138، ط. دار إحياء التراث العربي)، وتُرغِّب في بذل الهدية وغيرها لهم؛ كما في "الكوثر الجاري" للعلامة الكوراني (15/ 241، ط. دار إحياء التراث العربي).
قال الحافظ ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (4/ 448، ط. دار الوطن): [قال المفسرون: هذه الآية رخصةٌ في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وجوائزهم] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض