مراجعات
عندما يتزامن عيد الفطر مع عيد الأم، هذا العام، يكون الحنين استيقظ بكل ثِقله، لتمر الذكريات الكبيرة، والتفاصيل الصغيرة أمام العينين، كأنها مشاهد حيَّة، لم تبرح الذاكرة بعد.
مناسبتان متزامنتان، تمران بشكل مختلف وهادئ، على غير العادة، بشكل لم تألفه الروح من قبل، وكأن البيت، الذي كان يضج بالفرح، صار أكثر صمتًا، والأبواب التي اعتادت أن تُفتح بالابتسامات تنتظر شيئًا لن يأتي.
في أول عيدٍ بعد رحيل الأم، لا يكون الغياب مجرد فراغٍ في المكان، بل فراغ في القلب، ومسافة طويلة بين ما كان وما هو كائن، فالأم ليست حضورًا عابرًا في حياة أبنائها، وإنما هي الدفء الذي يسبق الكلام، والطمأنينة التي تسكن القلوب.
كانت الأم هي العيد نفسه قبل أن يأتي، والفرح الذي يتسلل إلى البيت من دون استئذان.. في صوتها كانت البدايات، وفي دعائها كانت البركة التي لا تُرى، لكنها تُشعرُ القلوب بأن «الدنيا لسه بخير».
حين ترحل الأم، لا ترحل كشخص واحد فحسب، بل يرحل جزء كامل من الطمأنينة، ويصبح العيد سؤالًا معلَّقًا في الهواء، كيف يأتي الفرح في بيتٍ تعوَّد أن يبدأ بها، وكيف تكتمل اللحظات من دون تلك اليد الحانية، التي كانت تجمع القلوب بكلمةٍ بسيطة.
في أول عيدٍ بعد الغياب، يُدرك الإنسان أن الحنين ليس مجرد ذكرى عابرة، بل حياة أخرى تسكن القلب، لتستعيد الذاكرة صورًا صغيرة كانت تبدو عادية يومًا ما.. ابتسامتَها حين ترى أبناءها مجتمعين، صوتَها وهي تبارك صباح العيد، ودعاءها الذي كان يرافق الخطوات كظلٍ خفيٍّ من الرحمة.
ورغم ذلك، فإن الأم التي ترحل لا تختفي تمامًا، بل يبقى أثرها في النفوس كما تبقى رائحة الطيب في المكان بعد أن يغادره صاحبه، وتظل كلماتها نبراسًا يُهتدى به، وتربيتها نورًا يُضيء الطريق حين تشتد العتمة.. وكأنها رغم الغياب، لا تزال تزرع في قلوب أبنائها القدرة على الصبر، وتعلِّمهم أن الحب الصادق لا ينتهي بالموت.
في هذا العيد الذي يمر للمرة الأولى من دون حضورك يا أمي، لا يزال القلب يحدِّثك كما لو أنك تسمعين، ولا تزال الدعوات تصعد إليك، محمَّلةً بالشوق والامتنان، فكل ما في الحياة يؤكد أن الأم لا تُعوَّض، والفراغ الذي تتركه لا يملؤه أحد.
ويبقى العزاء الأكبر أن الحب الذي زُرِعَ في القلوب لا يموت، والأيام مهما ابتعدت ستظل تحمل شيئًا منكِ، في دعوةٍ تُقال، أو خُلُقٍ يُمارس، أو حنانٍ يُمنح للآخرين كما منحتِه يومًا.
أخيرًا.. يأتي العيد، ليس كما كان، لكنه يأتي حاملًا رسالةً خفيَّة، أن من أحببناهم بصدق لا يغيبون تمامًا، بل يتحولون إلى نورٍ هادئ يسكن الذاكرة، ويظل يرافقنا في الطريق، حتى نلقاهم مرة أخرى حيث لا فراق.
فصل الخطاب:
يقول «فيودور دوستويفسكى»: «لا يبقى في الذاكرة سوى ما نريد نسيانه».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض