لعل وعسى
تناولنا فيما سبق التأكيد على أن الاقتصاد العالمى يمر حالياً بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، بعد تسارع العمليات العسكرية، واستمرار تصاعد تلك العمليات ساهم فى تكبيد الاقتصاد العالمى لخسائر فادحة، وأن العملية العسكرية على إيران مؤخراً قد أظهرت بوضوح هشاشة الأمن الإقليمى، وضعف القدرة العسكرية لدول الخليج مجتمعة رغم الإنفاق العسكرى المتعاظم. ورغم ذلك مصر تعد من بين الدول الأكثر تضرراً من هذه الحرب. فهى بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية، وأن المرحلة القادمة لن تحدد فقط مآلات الصراع الإيرانى- الصهيونى، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام الإقليمى الجديد فى الشرق الأوسط. وأن رهان مصر الأساسى فى مواجهة هذا التحدى هو تعزيز مرونتها الاقتصادية وتحويل التحديات الإقليمية إلى فرص، بعد أن وجدت مصر نفسها أمام موجة ارتدادية اقتصادية مباشرة، رغم عدم انخراطها عسكرياً فى الصراع، ولكن موقع مصر الجغرافى وارتباطها بشرايين التجارة العالمية يجعلها فى قلب التداعيات. وأمام ثلاثة تحديات رئيسية: نقص الطاقة، وتراجع مصادر النقد الأجنبى، واضطراب بيئة الاستثمار.
لذا نرى فى هذه الفترة ضرورة التركيز على أهمية تماسك الجبهة الداخلية، التى تمثل القوة المدنية أو الجبهة الخلفية وهى الركيزة الأساسية لحماية أمن مصر القومى والاستقرار الوطنى فى مواجهة التحديات الخارجية والتهديدات المحتملة والحرب النفسية التى ترتكز على الشائعات وإثارة الفتن، ويجب أن نستعيد قراءة التاريخ جيداً، خاصة فيما يتعلق بوعى الشعب المصرى الذى تجلى بعد حرب يونيو 1967 وعام 2013 الذى خرج فيها الشعب المصرى ليعلن إنقاذ مصر بكل وعى وتماسك لجبهته الداخلية، وما هو ما يجعلنا على ثقة بضرورة استدعاء هذا الوعى المرتبط بتماسك الجبهة الداخلية، والذى يقوم على أولاً: اليقين بأن حماية الدولة الوطنية لا بد أن يبدأ من الداخل. ثانياً: تعزيز الوعى الشعبى المنضبط هو المكمل لتماسك الجبهة الداخلى. ثالثاً: ضمان تحقيق ذلك مرتبط بوضوح ومصداقية قيام القيادة السياسية بتحقيق التوازن فى إدارة الملفات السياسية والاقتصادية على حد سواء، التأكيد على تماسك الجبهة الداخلية هو تأكيد على عبقرية الموقع الجغرافى الاستراتيجى لمصر، وأيضاً ثقلها الإقليمى ما يجعلها دولة مستهدفة من كثير من القوى العالمية. وهو ما يجعلنا على يقين بأن تحقيق التماسك للجبهة الداخلية فى مصر يعتمد على أولاً: تكاتف المجتمع كله بداية من الفرد حتى المؤسسة، مع تأكيد أنه فى استراتيجيات الحروب الحديثة المنتصر ليس بالضرورة من يمتلك أحدث المعدات العسكرية ممثلة فى الصواريخ والطائرات والبوارج بل شعب ومجتمع قادر على الصبر والثبات. ثانياً: أن الوعى فى هذا العصر مرتبط بالعصر الرقمى وهو ما يتطلب يقظة الفرد كمراقب أمين على مصلحة بلده. ويبقى أن تعزيز الطاعة والانضباط أصبحت جزء الوعى واليقين بأهمية تماسك الجبهة الداخلية، أى التفاف الجميع حول القيادة السياسية، والإقرار بخططها فى مواجهة التحديات، والتهديدات، والحرب النفسية على المجتمع. لأن ذلك سيساعد بكل قوة على سد الثغرات، واستمرار المؤسسات فى القيام بدورها على الوجه الأكمل. فعالم اليوم لا يترك مكاناً للدول الضعيفة أو تلك التى تعتمد بشكل كلى على الخارج، وهو ما ينطبق على دول الخليج العربى، لذلك المرحلة المقبلة تتطلب بناء قوة وطنية متعددة الأبعاد تقوم على تعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية، وترسيخ التماسك الداخلى، واعتماد دبلوماسية هجومية ومرنة، وتأمين الموارد الاستراتيجية الأساسية، هذه العناصر تشكل مفاتيح أساسية لضمان حماية الأمن القومى والاستقرار الوطنى فى ظل أفق 2030.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض