رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعيشى يا بلدى

لم تعد معاناة أصحاب المعاشات مجرد شكاوى عابرة على المقاهى أو فى جلسات الأصدقاء، بل تحولت إلى قصة حزينة يعيشها ملايين المصريين الذين أفنوا أعمارهم فى العمل وخدمة الوطن، ثم وجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية تكاد تكون مستحيلة: معاش ثابت يقف عاجزا أمام مصروفات تتضاعف بلا توقف.

ففى الوقت الذى ترتفع فيه أسعار السلع الأساسية، من الغذاء إلى الدواء، مرورًا بفواتير الكهرباء والمياه والغاز، يقف صاحب المعاش أمام أرقام لا ترحم. دخل محدود بالكاد يكفى أيامًا معدودة من الشهر، بينما تمتد بقية الأيام ثقيلة، مليئة بالحسابات الدقيقة ومحاولات التوفير التى لم تعد مجدية.

ملف المعاشات الذى يمس حياة أكثر من 11 مليون مصرى بصورة مباشرة، لايستحق التجاهل من أصحاب القرار فى هذا البلد.

فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام فى تقارير حكومية، بل هم بشر حقيقيون لهم احتياجات يومية، وأغلبهم يعيش مأساة يومية بدخل متقزم فى ظل موجات غلاء متلاحقة طالت كل شىء من الغذاء، والدواء، والمواصلات، وفواتير الكهرباء والماء والغاز والإنترنت وغيرها.

صاحب المعاش اليوم ليس الجد الذى كان ينفق على أحفاده زمان من وسع، وانما هو الأب الذى تزوج متأخرا بسبب قسوة الحياة على مر عقود سابقة وهو الآن مسئول عن أبناء مازالوا فى المدارس والجامعات.

صاحب المعاش اليوم لا يطلب رفاهية، ولا يبحث عن حياة مترفة، بل فقط عن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، يريد أن يشترى الدواء دون أن يضطر للتفكير فى ثمنه مرات، وأن يضع على مائدة أسرته ما يكفيها دون أن يحسب عدد الأرغفة أو يختصر الوجبات، أو يضطر للاستدانة لكى يصل إلى آخر الشهر.

صاحب المعاش الآن يعانى أشد المعاناة من موجات الغلاء المتتالية التى جعلت الفجوة بين قيمة المعاش وتكاليف الحياة تتسع بصورة غير مسبوقة. 

فما كان يكفى قبل سنوات لم يعد يغطى حتى نصف الاحتياجات الأساسية الآن. ومع كل زيادة جديدة فى الأسعار، يشعر أصحاب المعاشات بأنهم يبتعدون أكثر عن القدرة على مواكبة الحياة.

كثيرون منهم كانوا موظفين بسطاء، ومعلمين، وعمال صحفيين وإعلاميين، وخدموا بلادهم لسنوات طويلة، ودفعوا اشتراكاتهم التأمينية على أمل أن يجدوا فى المعاش سندا كريما فى سنوات العمر المتقدمة. لكن الواقع الحالى جعل هذا الأمل يتآكل تدريجيا، ويتحول إلى كابوس.

القضية لم تعد مجرد أرقام فى دفاتر التأمينات، بل حياة ناس حقيقيين، آباء وأمهات وأجداد، بنوا هذا المجتمع بجهدهم وتعبهم، ويستحقون أن يعيشوا ما تبقى من عمرهم بقدر من الكرامة والطمأنينة.

إن صرخات أصحاب المعاشات ومطالبتهم برفع الحد الأدنى إلى تسعة آلاف جنيه شهريا لم تعد ترفا أو مطلباً يمكن تجاهله بل ضرورة اجتماعية واقتصادية وإنسانية عادلة، بعد أن فقد الجنيه قيمته وأصبح المعاش لا يصمد ولو أسبوع واحد أمام الغلاء الفاحش!

وفى النهاية تبقى قضية أصحاب المعاشات اختباراً حقيقياً لمدى إنسانية أى مجتمع، فهؤلاء الذين أفنوا سنوات عمرهم فى العمل والعطاء يستحقون حياة كريمة لا صراعاً يوميا مع الغلاء… فكرامة أصحاب المعاشات ليست منحة، بل حق أصيل فى وطنهم.