فى الوقت الذى تسعى فيه الدولة جاهدة لضبط الأسواق، وتوفير السلع الأساسية بأسعار عادلة تبرز عدة تساؤلات جوهرية فى قطاع الدواجن: من الذى يحدد سعر كيلو الفراخ فى مصر؟ هل هى تكلفة العلف والمجهود الشاق للمربين؟ أم هى نقرة زر على مجموعة واتساب آب يديرها ثلة من السماسرة المتحكمين فى رقاب السوق؟
بعيدًا عن أرقام وزارة الزراعة واتحاد منتجى الدواجن تدار عملية التسعير يوميًا عبر ما يمكن تسميته البورصة السوداء أو سماسرة الجروبات. هؤلاء الوسطاء الذين لا يملكون مزارع ولا يتحملون مخاطر النافق أو تقلبات أسعار الأعلاف وخاماتها ولا الأدوية البيطرية والفاكسينات، هم من يضعون سعر التنفيذ لبيع الفراخ بل المزرعة.
المشهد يبدو عبثيًا. سمسار واحد قد يتحكم فى توريد آلاف الأطنان من الدواجن الحية وباتفاق هاتفى مع زملائه، يتم خفض السعر على المربى لإجباره على البيع بخسارة، بينما يظل السعر للمستهلك النهائى مشتعلًا، لتذهب الفوارق المالية الضخمة إلى جيوب الوسطاء.
يمثل صغار المربين نحو 60% من حجم منتجى الدواجن فى مصر، وهم الحلقة الأضعف فى هذه السلسلة.
إن المربى الصغير يواجه وحشين كاسرين وهما: تكلفة الإنتاج من أعلاف وأدوية بيطرية وتدفئة، والتى تمثل 70% من إجمالى التكلفة وضغط السمسار الذى يستغل حاجة المربى لتصريف قطيعه قبل فوات الأوان، فيشترى منه بأقل من التكلفة الحقيقية.
هذا الضغط المستمر أدى مؤخرًا إلى خروج أعداد كبيرة من هؤلاء المربين من المنظومة، ما تسبب فى فجوة فى المعروض، وهو ما يخدم فى النهاية كبار المنتجين والمحتكرين الذين يملكون القدرة على تخزين الإنتاج أو التحكم فى وتيرته.
إن ضبط هذا السوق المنفلت لن يتأتى إلا بضرب عش الدبابير من السماسرة، وذلك عبر تفعيل البورصة السلعية الرسمية للدواجن لتكون المصدر الوحيد والملزم للتسعير بناءً على معادلة التكلفة إضافة إلى هامش ربح عادل والرقابة على حلقات التداول بتفعيل قانون منع تداول الطيور الحية 70 لسنة 2009 والذى سيقضى على دور السمسار التقليدى ويحول المنظومة إلى مذبوح ومبرد، ما يمنح المربى والمستهلك حماية أكبر ودعم مدخلات الإنتاج بتوفير الأعلاف والكتكوت للصغار مباشرة عبر الجمعيات الزراعية لكسر احتكار كبار الموردين.
إن قطاع الإنتاج الداجنى ليس مجرد إنتاج تجارى اقتصادى فقط، بل هو أمن قومى غذائى يمس مائدة كل أسرة مصرية. وإذا لم يتم لجم وكسر شوكة سماسرة الأزمات والقضاء على سياساتهم الاحتكارية وحماية صغار المنتجين، فسنظل ندور فى حلقة مفرغة من غلاء الأسعار الذى لا يرحم فقيرًا ولا ينصف منتجًا.
عضو لجنة الزراعة بالوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض