رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

رغم ارتفاع الدخول الاسمية في مصر خلال العشرين عاما الماضية، فإن القوة الشرائية تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة موجات التضخم المتتالية وتحرير سعر الصرف، ما وضع ضغوطا متزايدة على الأسر التي كانت تصنف تقليديا ضمن الطبقة المتوسطة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد الزيادات الاسمية في الدخل قادرة على تعويض الارتفاع المستمر في الأسعار، الأمر الذي أدى تدريجيا إلى تقليص المساحة الاقتصادية التي تتحرك داخلها هذه الطبقة.

وقد انعكس هذا التحول بوضوح في المؤشرات الإحصائية. فالأسر التي كان يتراوح دخلها السنوي بين نحو 80 و160 ألف جنيه مثلت قرابة 34.4% من إجمالي الأسر عام 2021 وفق بعض التقديرات. إلا أن إعادة احتساب هذه الشرائح وفق معايير دولية تعتمد على الدولار وتعادل القوة الشرائية أظهرت تراجعا كبيرا في حجم الطبقة المتوسطة، حيث انخفضت النسبة إلى نحو 12% بحلول عام 2024 عند اعتماد حد أدنى يقارب 5000 دولار سنويا كمؤشر للطبقة المتوسطة.

ويرتبط هذا التراجع ارتباطا مباشرا بتآكل القدرة الشرائية. فعندما ترتفع الأجور بنسبة 10% في وقت يبلغ فيه التضخم نحو 30%، تصبح الزيادة في الدخل غير كافية لتعويض ارتفاع الأسعار، ويجد الأفراد أنفسهم عالقين في دائرة ضيقة من الإنفاق اليومي المتزايد، وهو ما يمكن وصفه بما يعرف بالإنفاق الدفاعي.

لا تتوقف الضغوط عند حدود التضخم، إذ تتحمل الطبقة المتوسطة أيضا العبء الأكبر من الضرائب غير المباشرة، والتي يقدر أنها تمثل ما بين 55 و60% من إجمالي العبء الضريبي سنويا. ويعد هذا المستوى مرتفعا مقارنة بالعديد من الدول النامية، خاصة إذا ما قورن بقدرة هذه الشريحة على تحمل التزاماتها المالية. كما يضيف ارتفاع معدل البطالة العام إلى نحو 8.5%، وارتفاع بطالة الشباب إلى ما يتجاوز 20%، ضغوطا إضافية على الأسر المتوسطة، بما يقلص قدرتها على الادخار أو تمويل مشاريع صغيرة.

وفي الوقت نفسه، يظل متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي بلغ نحو 3530 دولاراا في عام 2023، رقمًا لا يعكس بدقة الواقع المعيشي الفعلي، نظرا لتأثير التضخم المرتفع على القوة الشرائية الفعلية للدخول، سواء في القطاعين العام أو الخاص.

ورغم هذا التراجع العام في قدرة الطبقة المتوسطة، تظهر بعض مؤشرات التحول اللافتة في الاقتصاد الرقمي. فقد واصل قطاع الاتصالات والإنترنت نموه اللافت، حيث بلغ عدد مستخدمي الهاتف المحمول في مصر نحو 91 مليون مشترك، مع معدل نمو سنوي بالزيادة يتجاوز 10%. كما بات هذا القطاع يسهم بنحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس هذا التوسع تحول الخدمات الرقمية إلى جزء من البنية الأساسية للحياة اليومية للأسر المصرية، في الوقت الذي يتقلص فيه الإنفاق على بعض السلع الأساسية أو الكمالية مثل السفر والملابس والأجهزة الإلكترونية وخدمات المطاعم.

غير أن استمرار انكماش القطاع الخاص غير النفطي نسبيا، كما يظهر في مؤشر مديري المشتريات الذي سجل نحو 48.8 نقطة في سبتمبر 2025، يشير إلى الضغط على فرص النشاط الاقتصادي وتراجع فرص العمل الجديدة، وهو ما يحد من قدرة الطبقة المتوسطة على تخطيط استهلاك مستدام أو استثمار طويل المدى.

وفي المقابل، ظهرت شريحة متزايدة يمكن وصفها بـ"الطبقة المتوسطة الهشة"، وهي شريحة تعيش عند مستوى دخل يقدر في المتوسط بنحو 3200 دولار سنويا، ما يجعلها أقرب إلى منطقة التذبذب بين الاستقرار الاقتصادي والانزلاق إلى الهشاشة.

ولم يكن تراجع حجم الطبقة المتوسطة من نحو 44% عام 2000، واستمرار الانكماش بعد عام 2011 وصولًا إلى عام 2024 وفق تقديرات مؤسسات دولية، مجرد تغير رقمي في الإحصاءات، بل عكس تحولات اجتماعية عميقة أعادت تشكيل أنماط الحياة والسلوك الاقتصادي لهذه الطبقة خلال العقدين الأخيرين، لاسيما مع تراجع نصيب الفرد من الإنفاق على الثقافة والمعرفة.

فالانحصار المتزايد في مساحة الهشاشة الاقتصادية خلق بيئة اجتماعية تميل إلى الانكفاء على الذات، وعزز الفردية بوصفها استراتيجية للبقاء. ومع تراجع الشعور بالأمان الاقتصادي وضعف أدوات الحراك الاجتماعي، بات المشروع الفردي هو المسار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار. وفي المقابل، تقلصت مساحات المشاركة العامة والانخراط في الشأن العام، لصالح البحث عن حلول فردية لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

كما تغيرت نظرة هذه الطبقة إلى التعليم؛ إذ لم يعد ينظر إليه فقط بوصفه قيمة معرفية أو ثقافية، بل أصبح يعامل كأداة رئيسية للنجاة الاجتماعية، وتحسين الفرص في سوق عمل شديد التنافسية. وفي الوقت ذاته، عززت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي حالة الاحتكاك المستمر بالأنماط الاستهلاكية العالمية، ووسعت دائرة المقارنة الاجتماعية، ما رفع سقف التوقعات وأنتج في كثير من الأحيان شعورا مضاعفا بالضغط والقلق.

وقد انعكس ذلك أيضا على أنماط الاستهلاك؛ فبعد أن كان استهلاك الطبقة المتوسطة يرتبط نسبيا بالادخار والتخطيط طويل المدى، أصبح اليوم أقرب إلى ما يمكن تسميته بالاستهلاك الدفاعي، الذي يهدف أساسا إلى الحفاظ على الحد الأدنى من مستوى المعيشة في ظل ثبات الدخول وارتفاع الأسعار. وبات القرار الاستهلاكي في كثير من الحالات خاضعا لمنطق إدارة المخاطر اليومية، لا لمنطق التوسع أو الاستثمار في المستقبل.

وبذلك لا تبدو مشكلة الطبقة المتوسطة، مجرد تراجع عددي في حجم الطبقة المتوسطة، أو حتى تراجعًا في قدرتها التقليدية على الادخار والاستثمار والاستهلاك المنتج، مع غياب خطة دعم للدولة توسيع هذه الطبقة، بل ربما في الوظائف التي جعلت منها تاريخيا محركا رئيسيا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالسبب قد لا يتوقف عند حدود الدخل فقط، بل يرتبط أيضا بمدى قدرة الاقتصاد على إنتاج فرص عادلة للحراك الاقتصادي والاجتماعي في إطار سوق تنافسي يسمح للأفراد بالتحرك داخل السلم الاقتصادي.

فالطبقة المتوسطة ليست مجرد شريحة دخل في الجداول الإحصائية، بل هي البنية الاجتماعية التي يستند إليها الاستقرار نفسه؛ فهي التي تنتج الكفاءات، وتمول التعليم، وتدير المشاريع الصغيرة، وتشكل السوق الاستهلاكية الأكثر استدامة في أي اقتصاد. وعندما تتقلص هذه المساحة، لا يتغير ميزان الاقتصاد فقط، بل يتغير معه توازن المجتمع أيضاا.

لذلك يصبح السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط، كم بقي من الطبقة المتوسطة؟ بل أيضا كيف يمكن استعادة قدرتها على الحركة والادخار والمبادرة؟ فإعادة تمكين هذه الطبقة اقتصاديا ومهاريا وثقافياا، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة، قد تكون أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاجتماعي والنمو المستدام في السنوات القادمة.