رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

بدا الأمر كذلك صباح الإثنين الخامس من يونيو عام 67؛إذْ لم يكن مَرَّ على شهر رمضان بما فيه من عبثٍ طفوليٍّ وأناشيدَ تُهدد المُفْطِرَ الصغير
(بشراسة الكلبةالسودة)
،وتُشجِّع الصائم الصغير(ببوسة الكلبة البيضا)سوى خمسة أشهرٍ استقبلنا فيها"عيد الأضحى"بأغانيَ تحمل من التهديد بالذبح للشيخ "سيد"
والشيخ"سعيد"؛هكذا  المطلع
(بكرة العيد..ونعيِّدْ..وندبحكْ يا شيخ سيِّدْ)أو(بكرة الوقفة وبعدو العيد.. وندبحكْ ياشيخ سعيد)لم نكن مدركين كأطفالٍ لماذا هذه الدموية؟!!.لكن هكذا كان غناؤنا البريء،إلَّا أن الكبار والصغار لم يدُرْ أبداً في مُخيَّلتهم أحداثُ ذلك اليوم وما تلاه من أيامٍ بلياليها الغارقة في ظلام بلا كهرباء،ودِهان زجاجِ نوافذنا باللون الأزرق الداكن وتغطيتها بقماش سميك كي لا ينفذ منه شعاعٌ من مصباح "الجاز" نمرة"10"هكذا تعليمات الراديو التي بها ساد الوجوم وجوه الكبار،ولم يجد الأطفال متنفَساً من اللهو خارج المنزل كثيراً!!

(لو نزلتْ المحروسةْ ملفوفة القوامْ/أمُّ العيون بنفسجي...من قَصْرها العالي و شاورتْ لي
لوحدي من دون الأنامْ/
حأغضّ بصري ومش حردّ السلامْ/علشان أنا من سنه نَفضت إيدي مِالغرامْ)
(لو دندن البلبل بصوته الرخيم/وضم عُوده تحت جناحاته..وكنت أنا وحدي النديم/هاقفل وداني في وشِّ أنغامه..وأهيل عليه الترابْ/علشان أنا من سنة.. شفت الغُنا كدَّابْ)

وتأتي قصيدة"الصدمة"للمبدع
"فؤاد قاعود"بعاميةٍ مدهشةٍ وبساطةٍ عميقةٍ كأفضل ما يمكن أن يتفق وعنوان المقال؛إذْ كتبها بعد عامٍ من صدمة
"يونيو"في عام 68 راصداً حالة ارتباكٍ أصابت الكل؛فما حدث يفوق كل توقُّع؛لذلك جاء النص مُفْعَماً بالمفارقات التي لا يتصوَّرها عقل فلا استجابةَ لحبٍّ أو ضحكٍ أو نومٍ إنه الرفض للواقع بكل تفاصيله..!!

(لو اصطفاني المُضحِك المشهور بلعبه واتشقلب قصادي/هَيْطلّ من عيني الغضبْ..ومستحيل أبتسمْ
مهما المهرجْ هاصْ وزاطْ/
علشان أنا من سنهْ عرفت إن الضحك ابن العياط)
(لو خصِّني الفيلسوف
بحكمته المحفورةْ في ذهن الزمنْ/وبدأ يوجِّهْ لي الحديث/هاخد طريق غيرطريقه..
وامشي بعيد عن ندوته والزحامْ/علشان أنا من سنهْ مؤمنْ بلا جدوى الكلامْ)
(لو اتحشى فَرْشي بريشْ نعامْ/ولو ستارة غرفتي مطرزينها بأجمل الأحلامْ/مُحال أغمَّضْ عيوني.. مهما يزيد لومي/علشان أنا من سنه ضيَّعني نومي)

وقد يتخيل الجيل الحالي أننا نبالغ في حب الوطن، خُذْ أغنية"سيد حجاب"بصوت "ماهر العطار""ياما زقزق القِمْري"كانت أغنيةً تعشقها كل الأجيال رغم أن"سيد حجاب"
كان رهنَ الاعتقال فلم يتبرأ من الوطن بل كانت كلمته داعمةً للعمل وتشييد السد وشجاعة"العطار"في غنائها رغم ظروف شاعرها!!

(يا ما زقزقْ القِمْري على ورق الليمونْ/علشان بلدنا يا وله وجمال بلدنا يا وله..كله يهونْ)(شيِّلنى شيِّلْ ياجدعْ/على كل كتف أشيل جبلْ/عمر الكتاف ما هاتنخلع/مادام بيحلو العمل/ولو رمينا سنبله/بكره تكون حمول كتيرة متلتله/علشان بلدنا ياوله وجمال بلدنا ياوله.. كله يهون)(يا ما زقزقْ القِمْري على ورق الليمون/إحنا اتقابلنا فى غير ميعاد/ياميت حلاوه عاللُّقا/جايين ومن كل البلاد/من ملَّوي والغردقة/ماتقولش أنا من المنزله وَلَا
سنديون ولا من الباجور ولا من تلا/علشان بلدنا يا وله وجمال بلدنا يا وله..كله يهون)

أقول بدا الأمر مباغتاً للجميع وأنا على وجه الخصوص؛كنت-رغم الصِغَر-مُقَدَّما في إذاعة المدرسة بحِفْظِي أجزاء من القرآن الكريم، وبما أقتطِعُ من كتاب"الميثاق" الموجود في المنزل ومن خُطَب"عبد الناصر"في عيد الثورة أو النصر في "بورسعيد"الباسلة؛كانت بعضُ المفردات صعبةً لكن تروقني،ولم تمر ليالٍ حتى ملأت سماءَ حي الورديان في مغرب يومٍ قذائفُ مضادةٌ للطائرات تتواصل.ساعتها رأينا أفراد الشرطة العسكرية تُدْخِل مَنْ في الشوارع عنوة إلى البيوت،لم أرضخْ،وجريت رغبةً في رؤية ما يجري، ليلتها عاد أبي مكدوداً لا يخفى على ملامحه الهمُّ وآثار السهر المُجْهِد،أَجَلْ..غاب طويلاً هذه المرَّةَ في مأموريةٍ أَمْنيةٍ ما ليزدرد ما قدمَّتْه أمي ويستبدل ملابسه،ويعاود الذهاب منبهاً بالإقلال من مغادرة المنزل..
أشهد أننا طيلة الأعوام الستة التالية لم نذق"رمضان"
حقاً فلا أناشيدَ نهاراً أو فوانيسَ ليلاً إنما هي أيامٌ وليالٍ كسوابقها رغم حرب الاستنزاف؛لكن الثأرَ الكاملَ لم يزل بعيدا،وكذلك ختام"فؤاد قاعود"في"الصدمة"يقول اليوم لشعراء العامية أشياء كثيرة بعضها قريبةٌ منهم وأخرى مازالت بعيدة!!

(لو النجومْ تِنزِلْ وتمشي في الشوارعْ..ولو العمارات تطيرْ/ولو الضفادعْ فى الشتا عِرْقِتْ
والجو في أغسطس أصبح مطيرْ/ولو الحمير اتكلمت بفصاحةْ..والنملةْ صِبْحِتْ في ضخامةْ الفيلْ/مش حندهشْ بعد اللي فاتْ/علشان أنا من سنةْ..إحساسي بالدهشة
...ماتْ)

لم يكن حال"المنصورة" مغايراً للأسكندرية بعد انتقالنا مطلع عام 70 بل زدْنا خطراً لقربها جوًّا من الجبهة ووجود قاعدةٍ جويةٍ ومطارٍ حربيٍّ؛لهذا كَثرتْ صفاراتُ الإنذار... هل يتصور الجيل الحالي هجمات العدو الجوية في عمق الوطن؟! وما خلَّفتْ من شهداء عسكريين ومدنيين بجانب ضحايا المتفجرات الخداعية في الدُّمى والأقلام تحصد من كل الأعمار..!!ويأتي عام 73 ويعاود"رمضان"
القدومَ لكن لم يكد تمر عشرةُ أيامٍ إلا وتلوحُ البشارةُ ويتحقق حلم الأمة ليكون أجمل ختام من قصيدة الشاعر اليمني "د.عبد العزيز المقالح":

(لا الليلُ في الضفة الأخرى ولا النُذُرُ/ولا الدماءُ -كما الأنهارِ- تنهمرُ)(ولا الذئابُ وقد أقْعتْ على حذرٍ/وحولها تزأر النيرانُ والحُفَرُ)(لا هذه سوف تثنينا ولا خطرٌ/يصد جيشاً دعاه الثأرُ والظفرُ)(جيشاً تمرَّدَ صبراً
في مواقعه/وكاد في الانتظار المرِّ ينفجرُ)(مضى ليثأر من أعدائه ومضَتْ/في رَكْبه الشمسُ والتاريخُ والقدَرُ)