رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قواعد جديدة تُنهي عصر الفوضى في البث المدفوع

نتفليكس وديزني+ وأمازون تحت المجهر البريطاني

البث المدفوع
البث المدفوع

في خطوة تُعيد رسم قواعد اللعبة في صناعة البث الرقمي، أعلنت الحكومة البريطانية عن حزمة تنظيمية شاملة ستُخضع كبرى منصات البث المدفوع لرقابة صارمة تُضاهي تلك المفروضة على المحطات التلفزيونية التقليدية كـBBC وITV.

 نتفليكس وديزني+ وأمازون برايم فيديو في مقدمة المستهدفين بهذه القواعد، وهيئة الإعلام البريطانية Ofcom ستكون الحارس الذي لا يُغفل.

85% من البريطانيين يتركون التلفزيون التقليدي

الأرقام التي استندت إليها الحكومة البريطانية لتبرير هذه الخطوة تكشف حجم التحول الجذري في عادات المشاهدة، فـ85% من البريطانيين باتوا يستخدمون خدمات البث الشهري، مقارنة بـ67% فقط لا يزالون يشاهدون التلفزيون المباشر، وثلثا الأسر البريطانية مشتركون في واحدة على الأقل من نتفليكس أو أمازون أو ديزني+، هذه الأرقام لم تترك للحكومة خيارا، المنظومة التنظيمية القائمة لم تعد تعكس واقع الاستهلاك الإعلامي.

قسّمت الحكومة منصات البث إلى فئات، والحد الفاصل للفئة الأولى هو 500,000 مشاهد بريطاني شهري في المتوسط، كل منصة تتجاوز هذا الرقم تُصبح تلقائيا خاضعة لنفس الرقابة المفروضة على محطات البث التقليدية، وأكثر من 20 منصة ستقع ضمن هذه الفئة بحسب التقديرات الحالية.

المنصات التابعة للمحطات العامة كـITVX وChannel 4 ستخضع للقواعد الجديدة أيضا، أما BBC iPlayer فمستثنى مؤقتا لأنه يخضع بالفعل لميثاق البث، لكن الحكومة تخطط لتعديل اتفاقية BBC الإطارية لتُوحّد الرقابة على iPlayer مع بقية المنصات.

نتفليكس.. المارد الذي كان خارج السيطرة

هنا تكمن المفارقة الأكثر لفتا للنظر في هذه القصة، فبينما تخضع منصات مثل أمازون برايم وديزني+ وباراماونت+ وهايو لقواعد قانونية تُشرف عليها Ofcom بالفعل، كانت نتفليكس حتى اليوم خارج نطاق سلطة الجهة التنظيمية البريطانية بالكامل، السبب؟ قاعدتها الأوروبية في هولندا تجعل المنظم الهولندي هو المسؤول عنها نظريا. هذه الثغرة القانونية كانت مثار جدل واسع، والقواعد الجديدة ستسد هذا الباب بشكل نهائي.

القواعد المرتقبة ليست مجرد إجراءات شكلية، فمنصات الفئة الأولى ستكون مُلزمة بالالتزام بمعايير الدقة والحيادية في المحتوى، وحماية الجمهور من المواد الضارة أو المسيئة، وستتمتع Ofcom بصلاحية تلقي شكاوى المشاهدين وفتح تحقيقات في حال وجود انتهاكات، مع صلاحية فرض غرامات تصل إلى 250,000 جنيه إسترليني أو 5% من الإيرادات المؤهلة عن كل انتهاك، أيهما أكبر.

لن تكون القواعد النهائية صادرة عن الحكومة وحدها؛ إذ ستُجرى استشارة عامة تُتيح للمواطنين والمنصات المشاركة في صياغة قانون معايير البث، وستدخل القواعد حيز التنفيذ بعد عام واحد من نشر Ofcom لها.

لعل الجانب الأكثر إنسانية في هذه الحزمة التنظيمية هو قانون إمكانية الوصول المنفصل الذي ستُلزم به منصات الفئة الأولى خلال أربع سنوات من إقراره، وتتضمن هذه الالتزامات أن تكون 80% على الأقل من إجمالي مكتبات المحتوى مُزودة بترجمة نصية، و10% على الأقل مُزودة بأوصاف صوتية للمكفوفين وضعاف البصر، و5% على الأقل مُقدمة بلغة الإشارة.

وقال وزير الإعلام البريطاني إيان موراي إن الهدف من هذه الاشتراطات هو ضمان ألا يبقى أحد خارج دائرة الاستمتاع بالمحتوى الرقمي، مشيرا إلى أن تطبيق قانون إمكانية الوصول سيمنح ذوي الإعاقات البصرية والسمعية ضمانا حقيقيا بأنهم سيتمكنون من مشاهدة ما يريدون دون عوائق.

يوتيوب.. خارج الصورة لكن ليس بالكامل

قرار استثناء منصات مشاركة الفيديو كيوتيوب من هذه القواعد يبدو منطقيا لأنها تخضع بالفعل لقانون السلامة الرقمية، غير أن القرار لا يعني أن يوتيوب آمن تماما من الرقابة؛ فالقنوات الفردية على هذه المنصات قد تخضع لمعايير قانون البث المدفوع وفق الحالات.

تستند كل هذه التغييرات إلى قانون الإعلام البريطاني الصادر عام 2024، الذي كان ينتظر هذه اللحظة ليُطبق فعليا، القانون أعطى الحكومة الإطار التشريعي اللازم، والإجراءات المعلنة اليوم هي ترجمة عملية لما كان نصا قانونيا يبحث عن تنفيذ.

ما تشهده بريطانيا اليوم ليس مجرد إجراء تنظيمي روتيني، بل هو إعلان واضح بأن عصر منصات البث المدفوع كجزر منعزلة عن الرقابة الإعلامية قد انتهى، المنصات أمام خيار واحد، التكيف مع القواعد الجديدة أو مواجهة غرامات باهظة في سوق لا تستطيع الاستغناء عنه، والمشاهد البريطاني في نهاية المطاف هو من سيجني ثمار هذه المعركة التنظيمية.