رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. أحمد بيبرس يكتب: رمضان ولم شمل الأسرة

الدكتور أحمد بيبرس
الدكتور أحمد بيبرس - رئيس قسم أصول الفقه بجامعة الأزهر

في ظل عالم متسارع، وحياة مزدحمة بالأعمال والالتزامات التي لا تنتهي، تتفرق أفراد الأسرة، وتقل اجتماعاتها، اللهم إلا في مناسبة أو عطلة؛ إلى أن يأتي رمضان، فيجمع في لحظات شتات هذه الأسر، ويقرب ما تباعد بين أفرادها.

فشهر رمضان يعد مدرسة تربوية واجتماعية؛ إذ يجمع شمل الأسرة بعد تفرق، ويعيد ترتيب أولوياتها، ويقوي روابطها الدينية والاجتماعية، ويجمعها على الطاعة والتقرب إلى الله، متمثلين جميعا قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 71]. 

وقد دلت نصوص السنة المشرفة على أن الاجتماع في رمضان، قياما وذكرا وسحورا وإفطارا، ليس أمرا عارضا، بل مقصود شرعا؛ لما فيه من تحصيل بركة الاجتماع، وتربية الأهل، وتقوية الألفة، وتحقيق شعيرة الجماعة.

صور جمع شمل الأسرة في رمضان

ولجمع شمل الأسر المسلمة في رمضان صور متعددة، منها:
الأولى: الاجتماع للسحور والإفطار؛ وهو اجتماع متكرر طوال شهر كامل، يرسخ معنى الألفة والمودة، ويقلل الفجوة التي أحدثتها الحياة المزدحمة بالمشاغل.

تجتمع فيه الأسرة لتناول السحور وحضور بركته؛ لذا أمر به المصطفى ﷺ. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت «تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلى». قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: «قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية» [صحيح البخاري، ح رقم  (576)]. فيتشارك أفراد الأسرة السحور في هذا الوقت الفضيل الذي يستجاب فيه الدعاء، ويتكرر الحال عند الإفطار، فتحصل البركة بالاجتماع عند الاستجابة.

وفي أمر المعصوم ﷺ بتعجيل الفطر جمع للشمل، وتوحيد للنسك والمظهر العام لهذه العبادة؛ فلو رأيت تسارع المسلمين في ساعة الإفطار إلى الرجوع إلى بيوتهم، وتلهفهم على الحضور، لعلمت ما وراء هذه الساعة من السعي لجمع شمل العائلة؛ فالكل يتسابق كأنه سباق نحو خط النهاية، وهو مائدة الإفطار. فيشعر الكبير بلم الشمل ورباط العائلة، ويشعر الصغير بقيمة البيت بوصفه حصنا روحيا وجسديا.

الثانية: الاجتماع للعبادة يوحد شمل الأسرة؛ فحين تصلي الأسرة معا في جماعة، وتصوم في جماعة، يجمع الله بين قلوب أهلها. وحين يجتمعون في حلق القرآن الكريم تلاوة وتدبرا، مرددين وردهم في جماعة، تتآلف قلوبهم، وتحصل السكينة بينهم؛ إذ ليس اجتماعا في عمل ظاهري فحسب، بل اجتماع على مقصد تعبدي واحد. قال ابن رجب: «ويستحب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان» [لطائف المعارف لابن رجب، ص: 169]. فالعبادة الجماعية تصنع ذاكرة إيمانية مشتركة تظل راسخة في النفوس.

وقال ابن حجر: «وفي المحافظة على الصلاة في جماعة انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك» [فتح الباري لابن حجر، 2/129]؛ فيدل ذلك على أن البركة ليست مادية فحسب، بل اجتماعية وتربوية أيضا.

وحين تخرج الأسرة بأفرادها إلى جو الأمة العام لأداء الصلوات في المساجد، وكذا صلاة التراويح، وتتعاون في صنع الطعام وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين، وإعداد الموائد وإفطار الصائمين، تتحول قيمة لم الشمل من مفهوم نظري إلى سلوك حي.

وعلى رب الأسرة أن يفتح بابا من الشورى للعمل الخيري الموحد داخل البيت؛ كأن ينشئ مشروعا خيريا عاما تتشارك فيه الأسرة مع المجتمع، فتنظم أوقات العبادات حسب حال كل فرد في الأسرة، ويحفز التنافس في العبادة، وترصد جائزة لمن أحسن عملا؛ فيتعزز لدى أفرادها الشعور بالمسؤولية والانتماء، ويقوى البناء الأسري على مبدأ الشورى والمشاركة، بدلا من الفردية والاستبداد.

فرمضان ليس مجرد اجتماع الأسرة في مكان واحد أو وقت واحد فحسب، بل يجمعها أيضا على هدف واحد، هو التقوى المحققة لرضا رب العالمين، ويجمعها الشعور بالمسلمين، وتجمعها العبادات كالصلاة والصيام والإفطار والتراويح، وتجمعها قيم واحدة، كالحب والأخوة والمشاركة؛ فإذا أحسنت الأسرة استثمار هذا الشهر خرجت منه أكثر تماسكا، وأعمق وعيا برسالتها.

الثالثة: لم شمل الأسرة بقيام الرجل بأهله؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر» متفق عليه. 

وفي الحديث دلالة على استحباب إيقاظ الأهل للصلاة والذكر في جماعة، وحثهم على اغتنام الأوقات الصالحة، وهذا من جمع الشمل، وصون العشرة، وكمال النصيحة في الدنيا؛ رجاء الاجتماع في الآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، المتوج بتاج قوله تعالى: {وإنك لتهتدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52].

بقلم أ.د. أحمد محمد بيبرس رئيس قسم أصول الفقه بجامعة الأزهر 
وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى