«اختبار الأعصاب».. هل تنجح القاهرة في كبح انفجار المنطقة؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتسارع فيها التطورات العسكرية وتتقاطع الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية، تبدو المنطقة وكأنها تقف على أعتاب تحول تاريخي قد يعيد صياغة توازناتها لسنوات طويلة.
وبين تصاعد حدة الخطابات، وتبادل الرسائل النارية، واتساع نطاق الاشتباكات غير المباشرة، تبرز أهمية الدول القادرة على قراءة المشهد بعمق، والتحرك وفق رؤية استراتيجية بعيدة عن الانفعال وردود الفعل المتعجلة.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى النهج الذي تبنته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، والقائم على الاستعداد المبكر وبناء عناصر القوة الشاملة، تحسبًا لأي اضطرابات إقليمية محتملة، بما يضمن حماية الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
مسارات متعددة لبناء القوة
من جانبه، أكد الدكتور محمود أبو الحمد، المحلل السياسي، أن رؤية عبد الفتاح السيسي جسدت نموذجًا مختلفًا في إدارة الدولة، يعتمد على الاستباقية بدلًا من الاكتفاء برد الفعل، فمنذ توليه المسؤولية، تحركت الدولة وفق قراءة مبكرة للتحولات الإقليمية والدولية، وما يمكن أن تفرضه من تحديات مباشرة أو غير مباشرة على الداخل المصري.
وأوضح أن هذا التوجه انعكس في عدة مسارات متوازية، أبرزها تحديث قدرات القوات المسلحة وفق أحدث النظم العالمية، وتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية، إلى جانب تنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى رفعت من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات. واعتبر أن هذه السياسات المتراكمة شكلت “حائط صد” عزز مناعة الدولة، وجعل من مصر واحة استقرار نسبي في محيط إقليمي مضطرب.
نظرة بعيدة المدى ودور إقليمي متوازن
وأشار أبو الحمد إلى أن الرؤية بعيدة المدى لم تثمر فقط عن استقرار داخلي، بل منحت مصر مساحة أوسع للحركة في الإقليم، فامتلاك أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية بحسب تقديره أتاح للقاهرة حماية مصالحها القومية والتعامل بندية مع التحديات المتصاعدة، مؤكدًا أن ما تنعم به البلاد من استقرار هو حصيلة قرارات وُصفت في وقتها بالجريئة، لكنها أثبتت ضرورتها مع تطور الأحداث.
وبشأن التصعيد الراهن، شدد على أن التحركات المصرية تنبع من إدراك دقيق لخطورة اتساع رقعة الصراع، محذرًا من أن أي انفجار واسع سيترتب عليه تداعيات اقتصادية قاسية، فضلًا عن موجات نزوح قد تفوق قدرات دول المنطقة على الاستيعاب.
بين حسابات نتنياهو والرد الإيراني
ولفت إلى وجود تقديرات تشير إلى سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو توسيع نطاق المواجهة، في محاولة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية الداخلية والهروب من أزماته القضائية.
كما حذر من احتمال لجوء إيران إلى ما وصفه بـ«النظرية الصفرية»، التي تقوم على مبدأ إسقاط الجميع في حال تهديد بقاء النظام، خاصة مع استهداف قواعد أمريكية على أراضٍ عربية باعتبارها أهدافًا مشروعة من وجهة نظر طهران.
الدبلوماسية في مواجهة شبح الحرب
وفي خضم هذه التعقيدات، رأى أبو الحمد أن مصر، إلى جانب عدد من القوى الإقليمية، تمتلك فرصة للعب دور متوازن في ممارسة ضغوط سياسية على الأطراف المعنية، سواء في واشنطن أو طهران أو تل أبيب، بهدف احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط.
واختتم بالتأكيد على أن الساعات المقبلة تظل مفتوحة على كل السيناريوهات؛ فإما أن ينتصر صوت العقل عبر مسارات الوساطة، وفي مقدمتها الجهد المصري، أو تدخل المنطقة مرحلة صدام واسع ستكون كلفته باهظة على الجميع، وقد تمتد آثاره لعقود قادمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
